مشارق أنوار العقول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

مشارق أنوار العقول

الجزء ١ · صفحة ٣٢٧

وأما وصف بعضه بالمحكم وبعضه بالمتشابه فراجع إلى النظم بالنظر إلى مدلوله فلا تناقض قال الفخر واعلم أن العلماء ذكروا في فوائد

المتشابهات وجوهاً.

(الوجه الأول: أنه

متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب واشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب قال الله تعالى: ام حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم

الصابرين

(1)

(الوجه الثاني:) لو كان القرآن محكماً بالكلية لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد وكان تصريحه مبطلاً لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملاً على المحكم وعلى المتشابه فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي مذهبه ويؤثر، مقالته فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب، فإذا بلغوا ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله ويصل إلى الحق.

الوجه الثالث: أن القرآن إذا كان مشتملاً على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة، أما لو كان كله محكماً لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد. (الوجه الرابع: (لما كان القرآن مشتملاً على المحكم والمتشابه افتقر إلى تعلم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض وافتقر إلى تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه، ولو لم

(1) سورة آل عمران [الآية 142].