مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٣٢٨يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الانسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة. (الوجه الخامس:) وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية وطبائع العوام تنبوا في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أول الأمر اثبات موجود ليس بجسم لا بمتحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح. (فالقسم الأول:) وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب
المتشابهات.
والقسم الثاني: وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات |
(قوله: ومجمل) هو ما خفي المراد منه إلا ببيان من المجمل بكسر الميم، الثانية وهو أنواع ثلاثة لأن خفاء المراد منه إما أن يكون بسبب اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر كالقرء للحيض والطهر، فلا يعلم عند إطلاقه أي المعنيين أريد حتى ينصب المتكلم قرينة على مراده منه، وتلك القرينة هي البيان، وإما أن يكون بغرابة في اللفظ وذلك كأن يكون اللفظ غريباً لا يعرف ما معناه إلا ببيان ومثلوا له بالهلوع من قوله تعالى: (خلق الانسان هلوعاً (1)) فقوله: إذا مسه الشر جزوعاً (2)) إلى آخره بيان للهلوع وأما أن يكون بسبب نقل اللفظ عن معناه المعلوم منه إلى معنى آخر لم يعلم بعد كالصلاة فإن معناها لغة ونقل إلى العبادة المخصوصة ببيان من الرسول وكالربا فإنه لغة الزيادة ونقل إلى بيع الشيء بمثله نسيئة
(1) سورة المعارج [الآية 19]. (2) سورة المعارج [الآية 20].
328