مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٣٥٠ذلك الفعل، لا كما زعموا.
(وأما) الثانية فأجاب عنها الأمام عبد العزيز في شرح النونية حيث قال: وحديث أن بعض الطاعات تزيد في العمر لا يعارض القواطع لأنه خبر واحد أو أن الزيادة فيه بحسب الخير والبركة أو بالنسبة إلى ما تثبته الملائكة في صحفها لأنه قد يثبت فيها الشيء مطلقاً، وهو في علم الله تعالى مقيد ثم يؤول إلى موجب علمه تعالى كما يشير إليه قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (1)) أي اللوح المحفوظ المكتوب فيه الكائنات، كأن يكون الموجود في صحفها أن عمر زيد خمسون سنة مثلاً، وهو مقيد في علم الله تعالى بأن لا يفعل طاعة كذا وأنه وإن فعلها كان عمره ستين سنة مثلاً، وسبق في علمه تعالى أنه يفعلها فإنه يفعلها ويعيش ستين سنة، فالمعتبر في العمر وهو ما تعلق العلم الأزلي بالوصول إليه .. اهـ. كلامه أقول وهذه المسألة وإن ظهر بطلان قول
جميع
المعتزلة فيها لعدم الدليل الشاهد لدعواهم ليست من المسائل الدينية التي يفسق بها من خالف فيها لاحتمال أن يقول ذلك المخالف أن للمقتول في علمه تعالى أجلين أجل مقيد بما إذا لم يقتل فإنه ينتهي إليه وأجل مقيد بما إذا قتل فإنه يموت فيه وقد علم الله أنه يقتل فلا يتبدل فيه علمه تعالى، وكذلك يحتمل لمن قال أن القاتل قطع على المقتول أجله أنه تعالى أجل لهذا أجلا لو لم يقتله القاتل لا نتهى إليه، لكن علم الله أنه يقتل فيموت قبل الأجل المحدود بإرادته تعالى فلا يتبدل فيه علمه ولا إرادته. نعم هي من مسائل الدين أن لو قيل أنه تعالى لم يعلم بأن القاتل يقطع على المقتول أجله أو أن المقتول يموت في أجل لم يرد الله موته فيه، وإنما قلنا إنها حينئذ من مسائل الدين لما فيها من وصف الله تعالى بالجهل حيث أن بعض الأشياء لم يعلمها، وبالعجز حيث أن ارادته لم تنفذ. والمعتزلة يعتقدون أنه تعالى لم يرد وقوع المعاصي والقتل ظلماً
(1) سورة الرعد [الاية 29].
350