مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٣٥٤والرزق من ربنا لا شك فيه كما لا شك في ما قضى الرحمن من قدر فالحل والحرم كل من لدنه كما من عنده واردات النفع والضرر لكنه قال خير الرازقين وما أتى به النص من وصف به اقتصر فلا تصفه برزاق الحرام كما لا يوصفن بخلاق القذى الوضر وقد تقدم أن المختار أن اسماءه تعالى توقيفيه فلا يسمى بما لم يرد فيه نص من كتاب أو سنة وذهبت المعتزلة إلى أنه تعالى لا يرزق الحرام بناء على ما مر من أن الرزق عندهم هو ما يملك، وعلى قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين وكل منهما قد مر جوابه ونزيدها هنا أن نقول يلزم هؤلاء القائلين أن يكون من عاش طول عمره بأكل الحرام غير مرزوق، وهو مصادم لقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) ولا قبح في أنه تعالى يرزق الحرام لأن الأشياء كلها ملك له، فالحلال والحرام بالنسبة إليه سواء قال ابن أبي نبهان: ان هذه المسألة جهلها، أي ليست من مسائل الدين التي يجب كذلك فإنها وإن صادمت ظاهر الكتاب فلا دليل قطعي يقطع بكفر المخالف فيها، لأن الظاهر والعموم ليس بدليل قطعي عندنا وإنما جاء
مما يسع
اعتقادها، وهي
بطلان قولهم من قبل التأويل بلا دليل والتخصيص بلا مخصص.
(قوله: إذ ليس في العالم شيء يصدر) إلى آخره هذا دليل لقوله: والله كلا قدرا وحاصله أن الأشياء كلها إنما تصدر بإرادة الله وتقدير منه فلا فاعل على الحقيقة إلا هو، فلو قلنا أنه لم يرزق الحرام لأكله، للزم أن يكون هناك رازق غيره يرزق الحرام وهو يرزق الحلال فقط، وإنما احتملنا للمعتزلة في هذه المسألة مع ظهور هذا اللزوم لإمكان أن يريدوا نفي النسبة إليه لفظاً مع اقرارهم بأنه تقدير الله، فيكون الخلاف لفظياً لكن إذا رجعت إلى قواعدهم رأيتهم ينفون نحو هذا عن الله تعالى معنى طلباً
354