مشارق أنوار العقول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

مشارق أنوار العقول

الجزء ١ · صفحة ٣٥٥

لتنزيهه عما لا يليق به في زعمهم فالمسألة حينئذ دينية لأنها يلزم عليها إثبات رازق غيره تعالى لوجود أكل المحرم وسوقه إلى أكله وتقديره له. وهذه كلها أفعال لا تقوم إلا من فاعل والفاعل على الحقيقة هو الرب عز وجل، وهم ينفونها عنه فرجعت المسألة قدرية.

(ثُمَّ عَذَابُ القَبْرِ مِمَّا جَاءَ بِهُ تَوَاتُرُ الأَخْبَارِ مَعْنى فَانْتَهُ) واعتقدَنَّ صِدْقَهُ وَلَا تُحِل تعذيب ميت لوجُوه يَحْتَمِل) مَيْتٍ

لأنه

(قوله: ثم عذاب القبر الخ) عطف بثم المقتضية للتراخي وذلك أنه لما استطرد في بيان الرزق، وأخذ في الكلام عليه كان بين ذكر الموت وذكر عذاب القبر مهلة فناسب عطفه بثم، وذكر القبر تغليباً لما عليه العادة هو الغالب في أحوال الموتى، وإلا فكل ميت أراد الله تعذيبه فكذلك حكمه سواء قبر أو أكلته السباع أو حرق وذري في الريح، ولا يمنع منه تفرق الأجزاء لأن الله على كل شيء قدير وكذلك أيضا نعيم القبر واقتصاره على ذكر العذاب دون النعيم لكثرة التعبير به عن المقام (اعلم) أن العلماء اختلفوا في ثبوت عذاب القبر، فذهب جابر بن زيد رضي الله عنه والجمهور إلى ثبوته لما ورد من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك حتى قال في المعالم انها متواترة معنى فمن الآيات قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب (1)) ولقد تكلف ابن أبي نبهان وهو ممن ينكر عذاب القبر تأويل هذه الآية حتى خرج بها عن أسلوب النظم الشريف فقال فيها تقديم وتأخير والأصل ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب النار

يعرضون عليها غدوا وعشيا.

(ومنها قوله تعالى: (سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب

(1) سورة غافر [الآية 46].

355