مشارق أنوار العقول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

مشارق أنوار العقول

الجزء ١ · صفحة ٣٥٨

بلغه ذلك، أما في زماننا فقد تعذر إدراك التواتر من غيره وصارت الأخبار كلها بمنزلة الآحاد لانقطاع الرواة إلا ما اجمعت عليه الأمة أن هذا متواتر أو أنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فحينئذ يجب تصديق الاجماع والقطع بصدق الخبر، ولذا قال صاحب المرأة المعتبر في تصحيح الأخبار، وفي كونها تواتراً أو أحاداً هو ما عليه السلف في الثلاثة القرون، فما تواتر هناك فهو متواتر وما لا، فلا لكن كونه متواترا في تلك القرون لا يوجب القطع به على من هو في زماننا لأن كلاً متعبد بعلمه، ثم ان رواية أنه متواتر في تلك القرون لا تكون غالباً الا أحادية فينقلب التواتر احادياً فيكون مظنون الصدق والعقائد لا تنبني على ظن فلذا صح الخلاف في عذاب القبر. (فإن قيل:) فما وجه كرم الناظم في قوله واعتقدن صدقه.

(قلنا:) انه مبني على غير الوجوب أو على إرادة من بلغه ذلك التوأتر الموجب للصدق فلا أشكال (قوله ولا تحل بضم المثناة الفوقية أي: ولا تقل بإحالة تعذيب ميت رداً على من قال أن تعذيب الميت خارج عن المعقول قالوا ان قدرنا امكانه في القبر لاعادة الروح فيه فلا يمكن ذلك في كل ميت فإنا نشاهد من قتل فصلب بعد القتل مدة طويلة حتى تفنى أجزاؤه فلا نرى انها حدثت حياة يدرك بها العذاب، وكذلك من أكلته السباع أو أحرق بالنار وأذري في الرياح فإنا نعلم ضرورة أن أجزاءه تفرقت وحياته مع تفرق أجزائه تعذرت.

(وأجيب) عن الأول بأنه يحتمل أن يخلق فيه حياة لا ندركها نحن وعن الثاني أنه مبنى على أن يشترط في الحياة وجود البنية بتمامها، ونحن لا نقول به لإمكان أن يخلق الله لكل جزء انفرد حياة يحس بها ألم العذاب. (قوله: لوجوه يحتمل أي يحتملها التعذيب وتلك الوجوه هي

ما في الأجوبة التي ذكرناها.

358