مشارق أنوار العقول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

مشارق أنوار العقول

الجزء ١ · صفحة ٣٧٩

النار وأهل الكبائر مما عدا الشرك إما أن يعفى عنهم فلا يدخلونها، وإما

المصنف رحمه الله في هذا الشرح الحافل ولاتجد بجانب ذلك في القرآن ما يشير الى عدم خلود أحد ولو من بعيد ولقد أوضح القرآن أن فكرة الخروج من النار نشأت عند اليهود فدفعت بهم الى الموبقات واغرقتهم في بحار الشهوات فلم يستطيعوا خلاصا مما وقعوا فيه فقد كانوا يمنون أنفسهم انهم لن يعذبوا - على جرائمهم الخطيرة - الا زمنا محدودا فما عليهم ان اشبعوا رغباتهم وانهمكوا في شهواتهم وقالوا لن تمسنا النار الا أياماً معدودة ولكن ياترى هل سكت القرآن عن هذا المدعى بعد حكايته أم قرر الحقيقة الناصعة التي لم تترك مجالا لاحد في الطمع فيما طمعوا فيه أو في تحديث النفس بمثل هذه الاماني الفارغة التي الهت اليهود عن الواجب واردتهم في مهاوي الموبقات اننا نجد الرد الصريح بعد حكايته هذه القرية عنهم مباشرة بحيث لم يدع لقاتل مقالا ولالشاك مجالا قال اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله مالا تعلمون بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون أرد أصرح من هذا الرد وأى تقريع أبلغ من هذا التقريع على تمنى مالم يجعل الله سبيلا اليه ولكن رغبات النفوس وأمانيها الباطلة لا يكاد يقف في سبيلها شيء مالم تسيطر على صاحبها عقيدة مكينة في قلبه مهيمنة على احاسيسه فكم من عالم فتح لنفسه باب التأويل في الاية فادعى ان المراد بالسيئة الشرك أو ان المراد بالخلود طول المكث جاهلا أو متجاهلا ان الاية جاءت مجننة المطامع اليهود في تحديد مدة مسيس النار مقررة المصير الذي ينتظر كل من ارتكب سيئة ولم يتب منها قبل فوات الفرصة ولا عبرة بخصوص سببها مع عموم لفظها وستسمع ان شاء الله ماقاله فيها بعض من طلب الحقيقة فادركها من محققي المتأخرين هذا واذا نظرت الى تقسيم القرآن مصائر البشر يوم الدين لم تعثر في هذا التقسيم الا على مصيرين مصير إلى الجنة ومصير الى النار وكلا المصيرين خالد وان شئت معرفة أصحاب كل منهما فاسمع الى قول العزيز الحكيم في سورة يونس للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولاذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة مالهم من الله من عاصم كأنما قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) فان الاية الكريمة واضحة كل الوضوح في أن أهل الجنة وهم أصحاب المصير السعيد - لا يرهق وجوههم قتر ولاذلة وهؤلاء هم الذين احسنوا فاستحقوا الحسنى وزيادة ومما لا يمكن بحال أن يصلى احد النار ولو فترة قصيرة وهو لا يرهق وجهه قتر ولا ذلة فأي ذلة أفظع من ذلة العذاب وكيف لا يرهق القتر وجه من يتقلب في الجحيم وبعد حصر أصحاب السعادة في هذا الصنف اتبع بيان اصحاب المصير الاخر مصير الشقاء -

أغشيت وجوههم

379