مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٣٨٠أن يعذبوا بقدر أعمالهم ثم يخرجون منها.
وجوههم
والويل وأوضح أنهم كسبوا السيئات ولم يقيد هذه السيئات بل اطلقها وبين سبحانه جزاء هم المحتوم وأنهم لا ينفكون عن هذا الجزاء بل هم فيه خالدون والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة مالهم من الله من عاصم كأنما اغشيت قطعا من الليل مظلما اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون أي اشكال بعد هذا الايضاح واي غموض بعد هذا البيان وهل بعد هذا كله مساغ للدعوى بأن ثم فريقا ثالثا يشارك كلا الفريقين في مصيريهما ويأخذ حظه من جزاء كل منهما فيصلي أولا النار ثم ينقلب الى النعيم المقيم وبالجملة فإن الآيات القرآنية ليس فيها مايشير ولو من بعيد الى الخروج من النار وانما جاء كثير منها في الخلود لمطلق اهل الكبائر وقد ادرك هذه الحقيقة التي لا غبار عليها جماعة من اهل التحقيق من المتأخرين يحضرني منهم الامامان الكبيران محمد عبده ومحمد رشيد رضا وذلك صريح في غير موضع من كلاهما في تفسيرهما القيم (المنار) ومن ذلك ماقالا في تفسير قول الله تعالى وبلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) فقد قال الامام للسيئة هنا اطلاقها وخصها مفسرنا - الجلال - وبعض المفسرين بالشرك ولو صح هذا لما كان لقوله تعالى واحاطت به خطيئته) معنى فإن الشرك أكبر السيئات وهو يستحق هذا الوعد لذاته كيفما كان ومعنى احاطة الخطيئة هو حصرها لصاحبها وأخذها بجوانب احساسه ووجدانه كأنه محبوس فيها لا يجد لنفسه مخرجا منها يرى نفسه حرا مطلقا وهو أسير الشهوات وسجين الموبقات ورهين الظلمات وان تكون الاحاطة بالاسترسال في الذنوب والتمادي على الاصرار قال تعالى كلا بل ان على قلوبهم ماكانوا يكسبون أي من الخطايا والسيئات ففي كلمة يكسبون معنى الاسترسال والاستمرار وران عليه غطاه وستره أي أن قلوبهم أصبحت في غلف من ظلمات المعاصي حتى لم يبق منفذ للنور يدخل اليها منه ومن أحدث لك سيئة يقع فيها توبة نصوحا وأقلاعا صحيحا لا تحيط به الخطايا ولايرين على قلبه السيئات روى احمد والترمذي والحكم وصححاه والنسائي وابن ماجة وابن حبان وغيرهم من حديث أبي هريرة أن النبي قال: ان العبد اذا إذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء فان تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وان عاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكره الله في القرآن بل ران على قلوبهم ماكانوا يكسبون لمثل هذا كان السلف يقولون المعاصي بريد الكفر.
وجاء عقب هذا الكلام للاستاذ الامام في المنار مانصه قوله: (فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون خبر من كسب سيئة واحاطت به خطيئته) أي هم أصحاب دار العذاب في الاخرة الاحقاء بها دون من لم يصل الى درجتهم في الدنيا وهو من في
380