مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٣٨٤(المذهب الخامس:) وهو مذهب أهل الاستقامة والمعتزلة أن أهل
الكبائر من معاصي الله كانوا مشركين أو فاسقين مخلدون في النار دائما، وأهل الطاعة مخلدون في الجنة دائما لكن أهل الاستقامة يقولون أن التعذيب بعدل الله والثواب بفضله والمعتزلة يقولون بوجوب ذلك عليه تعالى عن ذلك بناء على أصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح العقليين. وقد تقدم الجواب عنه فها نحن نشرع الآن في بيان مذهب أهل الاستقامة وبيان حكم من خالفهم في ذلك من أهل تلك المذاهب كلها.
(وَمَنْ عَصَى وَلَمْ يَتُبْ يُخَلَّدُ في النَّارِ دائماً بهذا نشهد)
الله
(قوله: ومن عصى ولم يتب) الخ هذا بيان مذهب أهل الاستقامة أي من عصى بكبيرة، ولم يتب منها حتى مات عليها، فهو مخلد في النار دائما نشهد بذلك لإخبار الله إيانا به كما في قوله تعالى: (ومن يعص ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (1)) واعترض بأن المراد من الله ورسوله في التوحيد واجيب بأن اللفظ عام ولا مخصص وقوله تعالى: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار فيها خالدون (2)). هم
عصي
(واعترض) بأنا لا نسلم أن صاحب الكبيرة أحاطت به خطيئته من كل جانب لأن له حسنات لا يظلم إياها (ويجاب:) بأنه أحبط حسناته باصراره على الكبيرة، فلم يظلم شيئاً لأنه قد أخبر إنما يتقبل الله من المتقين، ولا شك أن صاحب الكبيرة ليس بمتق فلم يتقبل الله شيئاً من
(1) سورة الجن [الآية 23]. (2) سورة البقرة [الآية 81].
384