مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٣٩٢بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء (1)) وقد قطعتم بتعذيب اليهود والنصارى وتخليدهم فما بالكم لا تعلقون تعذيبهم على المشيئة. (فإن قيل: (ان الله قد أخبرنا بقوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به ان المشركين لا يغفر لهم فبقى من عداهم في المشيئة. (قلنا): إن أردتم بالشرك الشرك اللغوي فلايشمل جميع اليهود والنصارى، فإن منهم الموحد لغة والقرآن نزل على لغة العرب لا على الاصطلاح الثاني (وإن قلتم: (إن اسم الشرك وضعه الشرع لكل من أشرك أو كذب رسولاً أو أنكر كتاباً، والآية على هذا الوضع فخرج اليهود والنصارى من المشركين مع من خرج. (قلنا:) وكذلك أيضاً الفاسق قد خص بآيات أخر تدل على القطع بتعذيبه كما في أكل مال اليتيم ظلماً، وقاتل المؤمن عمداً ونحوهما. فظهر أن المغفور له هو التائب، وهو الذي شاء الله أن يغفر له لخروج المشركين بأدلة وأهل الكبائر بأدلة أخرى. (فإن قيل) ان المشرك والفاسق مفغوز لهما بالتوبة أيضاً فما فائدة قوله: ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) (قلنا) فائدته التنبيه على أن ليس كل تائب مقبولة توبته، وإنما يقبل الله توبة من يشاء أن يغفر له مات و علوم
(وإن قيل: (وعد الغفران بوجود التوبة فمهما وجدت وجب قبولها لأن وعده الحق. (قلنا:) نعم إن وعده حق وأن التوبة النصوح مقبولة عنده لا بوجوب عليه بل بتفضل منه فإن نفس الوعد بها تفضل وقطعنا باستحالة، كذبه لكن للتوبة المقبولة شروط فمن شاء أن يغفر له وقفه على تلك الشروط فوفى بها فهذه فائدة التعليق بالمشيئة لا مازعمتموه وأما فائدة الاطلاق في نفي غفران الشرك في الآية مع أنه مغفور بالتوبة في آيات أخر فهي لتعظيم كبيرة الشرك على كبائر الفسق، وتهويل شأنه حتى ينفر عنه السامع فلا يحوم حول حماه. ومنها:) قوله تعالى في أهل
(1) سورة المائدة [الآية 18].
392