مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٤١٨له اختيار في شيء من ذلك، ولا كسباً له ولا استطاعة على اتيانه، فهو فاسق لأنه حمل أفعاله جميعاً على الله تعالى ويبطل بمذهبه هذا إرسال الرسل، وانزال الكتب والوعد والوعيد والمواعظ والحكم، والمدح
والذم، لأن من كان مجبوراً على فعل من الأفعال مضطراً إليه لا يستطيع عنه محولاً كان إرسال الرسل إليه ووعده أن امتثل ووعيده إن لم يمتثل مع أنه لا يستطيع شيئاً من ذلك عبثاً لا يليق بشأن الحكيم ولا يستحق المدح على امتثاله ولا الذم على عدمه. (أجابوا:) بأنه استحق المدح والذم لما خلق الله فيه ذلك الممدوح، أو المذموم كما يقال في الألوان هذا حسن وهذا قبيح، فيمدحان بفعل الغير إذ من المعلوم أنها لم تكتسب بنفسها الحسن والقبح، وإرسال الرسل وإنزال الكتب والوعد والوعيد علامة لأهل السعادة وأهل الشقاوة. (قلنا:)
(قلنا) (عن الأول: (ان المدح والذم في الألوان ليس كالمدح والذم في الأفعال الاختيارية فإن الحسن من الألوان حسن في أي محل كان، وكذلك القبيح منها والحسن من الأفعال تختلف باختلاف أمر الشرع، ونهيه فيكون في حق هذا حسناً إذا أمر به وفي حق هذا قبيحاً إذا نهي عنه فرأينا الحسن والقبيح تابعاً لامر الشارع ونهيه، لا لمحلهما كالألوان. (وعن الثاني: (انا لانسلم أن إرسال الرسل وإنزال الكتب للتعريف بأن هذا سعيد وهذا شقي، إذ لو كان كذلك لما كان للمواعظ والزجر والتهديد فائدة وكذلك الترغيب والترهيب ولكان يكفي في التعريف بالسعيد والشقي أن يقال من فعل كذا فهو سعيد ومن فعل كذا فهو شقي من غير تطويل بتكثير أوامر ونواهي وتفصيل عبادات ونحو ذلك، على أنا لا نقطع بأن من مات مصراً على معصية من معاصي الله تعالى أنه في النار قطعاً لاحتمال أن يكون تاب توبة لانعلمها وكذلك لانقطع بمن مات على طاعة الله في حكم الظاهر انه في الجنة قطعاً لاحتمال أن يكون أصر على معصية غاب عنا، علمها وإنما نقول إن كان فلان مات على ماظهر
418