مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٤٢٤عبد يعصيه في أمره وهو يعلم ذلك منه ويريد أن يظهر عصيانه مع غيره فإذا حضر مع جماعة قال له افعل كذا وكذا وهو لايريد فعل ذلك الشيء وإنما أراد اطلاع الحاضرين على عصيانه هل يعد هذا السيد عابئاً في أمره.
(قوله: لكان مكرهاً) أي مقهوراً مغلوباً من أكرهته على الشيء إذا حملته عليه قهراً. (قوله على ماصنعا بضم المهملة مبنياً للمجهول أي لو لم يرد وقوع ذلك الشيء، وصنعه صانع لزم أن يكون الله مقهوراً على صنع ذلك الصانع حين كان وهو لم يرده لايقال:) ان القهر لا يكون إلا إذا كان من لم يرد الفعل هو المحمول على فعله أما إذا كان فاعله غيره فلا يكون مقهوراً عليه الأنا نقول: ان هذا الاعتراض لو سلم فإنما يتصور في حق من لم يملك كل الأشياء، أما في حق المالك للأشياء كلها فعدم نفوذ إرادته في جميع ممالكه قهر له وغلبة عليه مع انا لانسلم أنه إذا فعل الفعل أحد غير الذي لم يرده ليس بقهر في بعض المواضع، بل هو قهر مطلقاً فإنه لا يتصور من أحد أن يتأخر عن نفوذ مايريد إلا لمعنى يحاذره، أو غرض يرجوه ومن كان كذلك فهو مقهور على خلاف مايريد عاجز عن نفوذ إرادته: (قوله لكن لذا التخيير واكتسابنا الخ هذا استدراك على ما أمر لأنه قد يتوهم منه أنه إذا كان الله مريداً لكفر الكافر وإرادته نافذة وهو خالق لفعله أن يكون العبد مجبوراً على فعله فدفع ذلك التوهم بهذا الاستدراك.
(وحاصله) أنه تعالى خيرنا في فعل الخير والشر، وبين لنا عاقبة الأمرين فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر: إنا اعتدنا للظالمين (1)) الآية وجعل لنا قدرة على اكتساب أيهما شئنا لا على خلقه فإنه هو الذي يخلقه فينا حال اكتسابنا له، وبهذا التخيير وهذا الاكتساب ارتفع الاتصاف
(1) سورة الكهف [الآية 299].
424