مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٤٨٦الله
به من العذاب في الدارين بالحد، والعقوبة أو بالعذاب في الآخرة، إلا إذا تاب من ذنبه. وثانيهما بالنظر إلى الخلق وهو البراءة منه والمعاداة له، فيجب على كل مكلف علم فسقه أن يبرأ منه ويضلله لكن اختلفت الأئمة في القدوم على البراءة منه قبل الاستتابة، فبعض ذهب الى أنه لا يبرأ منه حتى يستتاب فإن تاب قبل منه، وإن أبى برئ منه وهو اختيار الامام رحمه الله تعالى مستدلاً عليه بأنه لا يحكم على أحد بشيء إلا بعد الاحتجاج عليه إن أمكن اجماعاً واستدل عليه غيره بقوله تعالى لابليس: ما منعك ان تسجد إذا أمرتك) (1) فلم يعالجه بالطرد حتى استخبره والله عالم بكل شيء، وإنما هو تعليم لعباده وإظهار لما في حكمته، فيستفاد الآية من ثبوت إقامة الحجة. (وذهب آخرون إلى أنه يبرأ منه قبل أن يستاب وصححه القطب رحمه الله تعالى ثم يستاب فإن تاب قبل منه وإن أبى بقي على حكم البراءة ولأهل هذا القول أنه من حين ما ركب الكبيرة صار عدواً لله، ووجبت علينا معاداته فالوقوف عنه بعد وجوب المعاداة وقوف عن الواجب، وإهمال عن انفاذ الحكم لا احتجاج عليه فيما لا يحتمل الا باطلا، وموضع الاحتجاج على المحكوم عليه إنما هو في شيء يكون له فيه مخرج عن الباطل، ولا مخرج لراكب الكبيرة أصلاً فإنها لا تقع بخطأ.
(وأما) الآية فليس فيها إلا أنه تعالى استخبره عما منعه عن السجود اظهاراً لحجته عليه فهي دليل على حلمه تعالى وعفوه، ولا يجب علينا الاقتداء في مثل ذلك، فكثير مما على الله عنه بحلمه أوجب علينا نحن أن نعالجه بالاتلاف. فالكفار أخر الله عنهم العذاب في الدنيا وأعطاهم الأموال والخول والزمنا عند القدرة أن نقتلهم ونسبي ذراريهم ونغنم أموالهم. وغاية ما في الآية الاخبار عن اتصافه تعالى بالحلم لا ايجاب
(1) سورة الأعراف [الآية 12].
486