مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٤٨٨من
فعن أبي عبيدة رضى الله عنه وقد سئل عن المصر فقال الذي لا يندم ولا يرجع ولايتوب. وعن بشير رحمه الله تعالى وقد سئل عمن أصاب صغيراً من الذنوب ونيته أن يتوب منه غداً أو بعد ذلك، ومن دينه التوبة ذلك إلا أنه لم يتب حين مواقعة الذنب فقال إن عزم على ترك التوبة ومات قبل أن يتوب هلك، وإن تاب قبل الموت سلم، وقول عليه أن يتوب من حين ما واقع المعصية الصغيرة ولا يؤخر ذلك وان آخر ذلك فقد أصر، وهو أشد التقولين والآخر أفسح ثم قال من أذنب ذنباً ثم ندم عليه فهو إقلاع عنه وتوبة لأن الندم توبة فكل من أكثر الندم على ذنبه إجلالاً لله تعالى وتعظيماً له كان أرجي لقبول توبته والله أعلم. أقول ويبحث في القول الذي حكاه بشير بأنه لافرق إذا بين الصغير والكبير من الذنوب لأن كلا منهما تلزم منه توبة في حال المعصية، ويجاب بأنه مبني على مذهب من رأى أن جميع ما يعصي به الله فهو كبير، وعن السدي أن الاصرار على الذنب هو السكوت عن التوبة والتمادي في الذنب وعن الحسن أن إتيان الذنب عمداً إصرار، وقيل لا يكون صاحب الصغيرة من الذنوب مصراً هالكاً حتى يكون أتى بها مستخفاً لنهي الله فيها ومستحقراً لها، فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله تعالى، وكلما استصغره كبر عند الله تعالى لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب وكراهيته له، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به واستصغاره يصدر عن الألف به، وذلك يوجب شدة الأثر في القلب والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور تسويده بالسيئات، ولذلك لا يؤاخذ بما يجري عليه في الغفلة فإن القلب لا يتأثر بما يجري في الغفلة وقد جاء في الخبر المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على أنفه فأطاره (1) وقال بعضهم الذنب الذي لا يغفر قول العبد ليت كل ذنب
(1) رواه الامام أحمد في مسنده - عن عبد الله بن مسعود [1: 383]. ورواه البخاري في کتاب الدعوات / 4/.
488