مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٥٣٨هي
فوق ما يجب نفلاً والدليل على هذا التفصيل قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: إذا عملت سيئة فاحدث معها توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية والجهر في المعاصي هو أن يعمل معصية بدنية والسر فيها هي المعاصي القلبية والجهر في التوبة اجراء الاستغفار على اللسان مع الندم والانكسار في الجنان والسر منها هو الاقتصار على ما عدا الاستغفار باللسان من الأركان فإذا عمل المكلف معصية من المعاصي البدنية، وجبت التوبة عليه جهراً ثم اختلفوا في حد الجهر فقال قوم هو ما سمعته اذنان فصاعداً. وقال آخرون هو ما سمعه من يليك فصاعداً وجعل ارباب هذا القول ما سمعته الأذنان من السر، وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا عمل رجل شيئاً من المعاصي البدنية، وقد اطلع عليه غيره هل عليه أن يظهر التوبة عند من علم بمعصيته أم لا قولان للفقهاء صحح الامام رضوان الله عليه أن ليس عليه اظهار ذلك عند من علم بمعصيته، ونوقش في ذلك بأن من اطلع على معصيته مستصحب للبراءة منه حتى يعلم رجوعه وتوبته فأجاب بما حاصله أن المتبرئ منه إنما بريء منه بحق فيجوز له أن يقيم على حقه البراءة منه ولاشيء عليه أقول وهذا الجواب لا يدفع تلك المناقشة فإنها مبنية على قاعدة مشهورة صرح بها هذا الامام وغيره ليس لاحد أن يبيع البراءة من نفسه ومن أباح البراءة من نفسه فهو هالك عند الله أنه صادق واستدل عليها الامام بقوله تعالى: (فإن لم يأتوا بالشهداء فالتك عند الله هم الكاذبون (1)) قائلاً انه تعالى حكم على القذفة بالكذب إن لم يأتوا بالشهداء، ولو كانوا صادقين في نفس الامر كذلك من أباح من نفسه البراءة في الظاهر يبرأ منه وإن كان محقاً في السريرة، لكن للامام ان يقول هذا التائب إنما أباح من نفسه البراءة حين مباشرة المعصية، فتوبته جب لما قبلها مطلقاً وقد يجاب بأن إبقاء من علم أنه يبرأ منه بموجب البراءة على البراءة منه مع القدرة على نقله من البراءة منه
(1) سورة النور [الآية 12].
هي
أنه
538