مشارق أنوار العقول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

مشارق أنوار العقول

الجزء ١ · صفحة ٥٧٠

منه وتجوز معاملته فيه ولو لم يتب من استحلاله. ومنهم من ذهب إلى أن ذلك ليس للمستحل إلا إذا تاب عليه ولاتحل معاملته فيه قبل التوبة ولصاحبه أن يأخذه إن قدر عليه.

(وذهب آخرون إلى أن هذا الحكم مخصوص بالمشركين وأن الموحد المستحل لا يشابههم في ذلك الحكم فعليه أن يرد جميع ما اغتصبه أو ضمانه إن كان قد أتلفه قبل التوبة من استحلاله وبعدها، وكأن أرباب هذا القول يرون أن علة الحكم ها هنا هي الشرك لا الاستحلال، فلم توجد العلة في الموحد عندهم فلم يثبت القياس. (وذهب آخرون) إلى التفصيل فقالوا إن تاب هذا المستحل وفي يده شيء من المغتصبات قائم العين لزمه رده إلى أربابه وان تاب وليس في يده ما هو قائم العين فلا غرم عليه وكأن هؤلاء نظروا إلى قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (1) والى قوله تعالى: (ما جعل الله عليكم في الدين من حرج) (2) وجه الاستدلال بهاتين الآيتين ان من كان مستحلاً لشيء لا يكاد يتوقف عنه عند القدرة عليه، فهو منهمك فيه ومتهور منه فإن ظهر له خطأه وأراد التوبة منه لا يكاد يتيسر له الخلاص منه لعظم ما أتلفه فحصلت له المشقة والحرج ولا مشقة ولا حرج عليه في رد ما كان في يده فظهر الفرق عند هؤلاء وعلى هذا المذهب عولت في النظم. ثم ظهر لي بعد ذلك ضعف هذا القول ووجه ضعفه أن علته هذه غير مطردة لأن من تهور في شيء وهو منتهك له لزمه غرمه اتفاقاً سواء شق عليه ذلك أم لا، فلو كان شدة العسر ووجود المشقة رافعين للضمان لرفعاه عن هذا المنتهك المتهور أيضاً، فظهر أن العلة الرافعة للضمان إنما هي

(1) سورة البقرة [الآية 185]. (2) سورة الحج [الآية 78] وتتمة الآية: ملة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا

الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصر).

570