مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٥٧٥فأعاد عليه ثلاثة فأعاد جوابه فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له. والاستدلال بهذا الخبر من وجهين (الأول:) انه سمى التلفظ بكلمة الكفر رخصة. (الثاني:) أنه عظم حال من أمسك عنه حتى قتل (وثالثها: (أن بذل النفس في تقرير الحق أشق فوجب أن يكون أكثر ثواباً لقوله عليه الصلاة والسلام: أفضل العبادات احمزها (1) أي اشقها (ورابعها:) أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر. أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة فوجب أن يكون حال الأول أفضل والله اعلم اهـ
(والنوع الثاني: (يحرم فعله وذلك كما اذا أكرهه انسان على قتل انسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فها هنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا قولان.
(النوع الثالث: (ما ذهب السيد الفخر الرازي وابن بركة العماني من أنه يجب فعل ما أكره عليه إذا كان الفعل المكره عليه مما يباح عند الضرورة، وذلك كما إذا أكرمه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة، فإذا أكرهه عليه بالسيف فها هنا يجب الأكل عندهما وذلك لان صون الروح عن الفوات واجب ولا سبيل إليه في هذه الصورة الا بهذا الأكل وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه اهانة لحق الله تعالى فوجب أن يجب لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة) (2) وذهب غيرهما إلى اباحة هذا النوع وعدم وجوبه وهو الصحيح لما تقدم الأدلة على اباحة التقية بكلمة الكفر وعدم وجوبها هنالك، فإنه متى لم تجب التقية بالقول فمن الأولى أن لا تجب بالفعل وليس هنا القاء
من
(1) رواه ابن عباس. وفي الصحاح (أحمزها» أي أمتنها وأقواها.
(2) سورة البقرة [الاية 195].
575