مشارق أنوار العقول
الجزء ١ · صفحة ٦٦يجعلون العقل قاضياً على الشرع أي لا يرد الشرع بما يخالف العقل عندهم فترتب على ذلك وجوب مراعاة الصلاحية والأصلحية على الله تعالى. وهو مذهب باطل قائله منافق لا مشرك لأنه لا ينكر الشرع أصلا، بل قال مبين ومؤكد ولو أنكره لأشرك. وذهب الجمهور منا إلى أن العقل لا حكم له في شيء من الوجوب الشرعي والمراد بالوجوب الشرعي هو ما يترتب عليه الثواب والعقاب فلا وجوب عندنا قبل الشرع في شيء من الأصوليات والفروعيات لافرق في ذلك بين التوحيد وغيره، فإن العقل وإن أدرك بالضرورة أنه له صانعاً لا يوجب أن عليه لذلك الصانع شيئاً من العبادات، فلا وجوب قبل الشرع لقوله تعالى: وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا (1)). ولقوله تعالى: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (2)). ولقوله تعالى: ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فتتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (3)) ولقوله تعالى: كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا مانزل الله من شيء (4)) وبقوله تعالى أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (5)). ولم يقل أولم نركب فيهم عقولاً. فهذه الآيات دالة على أن الوجوب بالشرع لا يقال أن هذه الآيات خاصة، فيما عدا الحكم بمعرفة الله ومعرفة صفاته.
الأنا) نقول: (إن التخصيص عدول بها عن مقتضاها وعلى مدعيه الدليل. فإن قيل ان بعض الآيات المستدل بها إنما نزلت في عذاب الدنيا، كالآية الأولى فلا يتم الاستدلال بها على المطلوب، وبعضها
(1) سورة الاسراء [الآية 15]. (2) سورة النساء [الآية 165]. (3) سورة طه [الآية 134]. (4) سورة الملك [الآية 8]. (5) سورة طه [الآية 133].