مشارق أنوار العقول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

مشارق أنوار العقول

الجزء ١ · صفحة ٦٧

محتمل لذلك أيضاً. (قلنا:) لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ، لو سلمنا الخصوصية لأثبتنا ذلك في عذاب الآخرة بطريق الأولى. (فنقول: (في الاستدلال على ثبوته هكذا إذا ثبت أن الله عز وجل لا يعذب العذاب الدنيوي إلا بعد بعث رسول فمن الأولى أن لا يعذب العذاب الأخروي إلا بعده ووجه الأولوية ظاهر وإن قيل أن عمومها مخصوص بقوله تعالى: (لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (1)). وجه التخصيص أن هذه الآية صريح في عدم الإنذار لأهل الفترة، فيلزمكم إما عذر أهل الفترة على شركهم وإما التخصيص بها لتلك الآيات. (قلنا:) لانسلم كلا اللزومين لأنهم إنما أشركوا بالله عز وجل بعد إرسال الرسل، وإنزال الكتب على بني آدم، عموماً، وحكمت الرسل والكتب أن من أشرك الله عز وجل غيره هالك.

ومعنى قوله ما أنذر آباؤهم أي لم يرسل إليهم رسول منهم يبشرهم ويحذرهم، كما هو كذلك بفضل الله في سائر الأمم. وإليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن الخليل وولده عليهما السلام: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم (2)) الآية (وإن قيل: (ان المراد بالرسول أعم من العقل والبشر الموحى إليه بالتبليغ فيكون العقل رسولاً كما أن البشر الموحى إليه كذلك. (قلنا:) لانسلم تلك الأعمية لأنه إما أن يراد به العقل مجازاً فيلزم عليه اجتماع الحقيقة والمجاز في لفظة واحدة في حال واحد، وهما ضدان (وإن قيل: (المراد بالرسول العقل خاصة على سبيل المجاز الاستعاري حيث شبه العقل بالبشر الموحى إليه بالتبليغ لاشتراكهما في لازم مشهور هو في البشر أقوى. (قلنا: لو سلم ذلك للزم عليه محذوران لم يقل بجوازهما أصولي وهما الخروج عن مقتضى الظاهر بغير دليل والعدول عن الحقيقة إلى المجاز مع إمكانها وتعذره. (وإن

(1) سورة يس [الآية 6]. (2) سورة البقرة [الآية 129].

67