الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠مدعي رؤية الباري لها أهميتها في الأصول المعقولة والفصول المنقولة بحيث تعتبر دستوراً في فنّهَا، وَله في البلاغة ما يعترف له به به أعلام الحقيقة والمجاز، وقد ألجم الخصم وأفحم المجادل في القواعد الشرعية، وله قوة الذَّاكِرَة ونشاط الوعي وأعمدة الإخلاص الله ولرسوله في أقواله كلها.
إنه بحق أقول: في عَهدِه وَحيد، وفي عصره فريد، وفي قصده مجيد، قامَ في أمة ساذجة إلا في أغراض خاصة، سماه بعضهم: شاعر مصره، وقال آخرون: شاعِر عَصرِه، وفي كلام فريق آخر: شاعر العرب، وكما هو شاعر العرب هو علامة قوي الإدراك، فقيه ملي، ولغوي قوي، وتلك هي، وتلك هي مواهب الله لعبده.
وليعلم أن علاميته الشَّعريّة ليست بأعظم من علاميته الشَّرعيَّة، فإنه جعل الشَّعرَ أغانيه في خلواته التي يستريح إليها، فيصغي إلى طنين رأسه للاسترواح لا غير، لم يجعل الشعر حرفة يتكسب بها كما يظن بعض النَّاس إنما اقتضت بعض المناسبات قول الشعر ليعبر به عن مقتضى الحال.
وله اليد الطولى في السُّلوك والدعوات الإلهية في مراحل يعجز أن يأتي بمثلها شاعر أو نَاثِر، وله في الملة مالا يعرف لغيره، وله في أصول الأدب العربي ما لم يكن لابن دريد ومقصورته التي قال فيها بعضُهم الدريدية الثانية، وأنا أقول هي الأولى وَهيَ الثانية. إنّه كان يُكافح عن المذهب الكفاح المرير الذي لا يقدر عليه غيره، وهَيهَاتَ أن يقدِرَ عَلَى اقتحامه المعترض، ولقد نادى رافعاً عقيرته بمَذهَبِهِ بَينَ أعلام المذاهب فبزّ من رام نقض بنائه وعند ذلكَ قَالَ: قُل للذَّئَابِ الكَاسِرَاتِ تَفسَّحي عَزَّ الحِمَى وَأَعَزَّ مِنْهُ الحَامِي
ذلك بعدما قال:
طنبتُ بِالوَادِي الْمُقَدَّسِ خَيْمَتِي ورعيتَ بَين شعُوبِهِ أَغْنَامِي إن هَذا الشَّيخ مَا كان شاعراً كما يظنه الخليون الذين رأوا قصائد
10