الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٤الصورة الأولى من عرف الله بالدَّليل والبرهان، ولما تم العرفان مات ولم يجد من الزَّمان والوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشَّهادة؛ فها هنا إن حكمتم أنه مؤمن فقد حكمتم بأنّ الإقرار اللساني غير مُعْتَبر في تحقيق الإيمان، وهو خرق للإجماع وإن حكمتم بأنه غير مؤمن فهو باطل؛ لقوله عليه السَّلام يخرج من النَّار من كان في قلبه مثال ذرّة من إيمان وهذا قلبه طافح بالإيمان، فكيف لا يكون مؤمناً؟!.
الصورة الثانية من عرف الله بالدَّليل، ووجد من الوقت ما أمكنه أن يتلفظ بكلمة الشَّهادة، ولكنه لم يتلفظ بها، فإن قلتم: إنه مؤمن فهو خرق للإجماع، وإن قلتم: إنّه ليس بمؤمن فهو باطل؛ لقوله عليه السلام: يخرج من النَّار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ولا ينتفي الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق.
والجواب: إنّ الغزالي منع من هذا الإجماع في الصُّورتين، وحكم بكونهما مؤمنين، وأن الامتناع وأنّ الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يُؤتى بها مع الإيمان». اهـ كلام الفخر
قال القُطب رضي الله عنه: الإيمان في اللغة: التصديق، والماضي آمَنَ بهمزة فألف فميم مفتوحة، فالهمزة للتَّعدية والألف بَدَل مِنَ الهمزة التي هي فاء الفعل الثلاثي بوزنِ أفْعَلَ، كَأَكْرَمَ، لأن مصدره إفعال بكسر الهمزة لا بوزن فاعل بفتح العَيْنِ، إذ لم يكن مصدره فعال بالكسر، كَأَنَّ المُصَدِقَ بكسر الدَّال صَيَّرَ المُصَدَّقَ بفتحها آمِناً أن من يكذبه أو يُخالفه، فالأصلُ أنْ يقول: آمَنْتُ الغَيْبَ وَآمَنْتُ النَّبيِّ محمداً، أي: صَيَّرْتُهما آمِنَيْن من أن أكَذِبَهُما أو أخالِفهُما بالتَّعدية بالهمزة المزيدة، ولكن عُدّي بالباء لتضمنه معنى الاعتراف بالقلب واللسان، أو بالقلب، أو باللسان دون القلب في حالة الكذب، ولو كان المشهور عندنا معشر الإباضية الوهبية أنه لا يدخل الإنسان في التوحيد، إلا باعتقاد وإقرار باللسان جميعاً. وقد يطلق لمعنى الوثوق؛ فالهمزة للصيرورة نحو: آمَنْتُ زيداً؛ أي صيرته ذا أمْنِ مِنْ أَنْ يكذبني
104