نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٥٤٤

وفي الأثر: ومَنْ كانت له مزرعةٌ في موضع قريب من بلده أقل من فرسخين فيحتال ليكون مسافراً فخرج عمداً حتى خَلْفَ الفرسخين ثم رجع إلى المزرعة فلا يجوز له القصر، فإن فعل فأخاف عليه الكفّارة. وكذلك في صيام رَمَضَان إذا خرج حتى جاوز الفرسخين ثم رجع إلى هذا المزرع فأفطر فيه وإنما أراد الحيلة لترك الصلاة فلا يجوز له ذلك وعليه الكفارة وكذلك إذا احتالت المرأة فعملت لنفسها دواء في حجها حتى ذهب عنها الحيض أيام حيضها فلم يجنها لوقته أيام حجها لم يجز لها ذلك ويفسد، والله أعلم. قال (المص) رحمه الله: ليس المسألتان من باب واحد، فإنّ الأول هارب عن الحق، وهذه هاربة إليه، طَلَبَ أن يُسقط ركعتين وطلبت أن يتم حجها.

ثم الاحتيال في قطع الحيض ليس كالاحتيال في قصر الصلاة؛ فإنّ الحيض فضلة من فضلات جَسَدِ المرأة كالبول والغائط، فكما أنَّ لها أن تحتال في تقليل بولها واحتباس بطنها كذلك لها أن تحتال في قطع حيضها، ولا يمنعها من ذلك شيء ما لم يفض إلى ضر بجسدها، فإنّ الضرر بالنفس وغيرها حرام، والله أعلم. اهـ.

أقول:

تحقيق (المص) رحمه الله في غاية الجودة، لكن الظاهر أن الوجه لمانع احتيال المرأة للحيض في الحجّ هو أن المرأة قد حظر الشرع عليها كثيراً من أعمال الحج إن كانت حائضاً، فلما احتالت لمنعه صارت كأنها محتالة لفعل المحظور في وقت الحيض، فَشَبَّهَ بها من احتال لترك التمام في غير القصر، فاحتيالها لفعل محظورٍ يَشْبَهُهُ احتيالُهُ لِتَرْكِ مَفْرُوضٍ، وكلاهما في جانب الطاعة مَعْصِية فالنتيجة أن احتيالها واحتياله معصية، وإن كان في الأصل منع الحيض بقواطعه مباحاً ما لم يُوَلَّدْ ضَرَراً بالجسم، لكنه لما قصد به استباحة محظور صار محظوراً، فإن كان هذا الوجه هو الذي تمسك به صاحب الأثر فهو غير مُسَلّم لأنّ

544

١٬٠٥٥ / ١٬٦٨٣