الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٤٨وفي الجهل أثر عن محمد بن محبوب أخبرنا الهَرَوِيُّ أنّه يحفظ أَنَّ رجُلاً دخل الإسلام ثم حَجَ عند ذلك فصلّى في سفره أَرْبَعَاً، ولم يكن
علم أنَّ عليه القصر، فلم يَرَوْا عليه بدلاً. والله أعلم.
ولو انتهك فقصر في موضع التمام أبدل وكَفَّرَ. وفي الأثر: «وإذا حضر المسافر صلاة الجمع الظهر والعصرُ فَتَرَكها عامداً فعليه كفارة واحدةٌ مَعَ البدلِ والتوبة؛ وقيل: تلزمه كفّارتان لكل صلاةٍ كفارة». ا هـ. ومن كلام للسيد الفقيه المهنا بن خلفان قال: «وما صليت من الصلوات تماماً في حال لزومها عليك قصراً مختلف في تمامها والاجتزاء بها، لأنّ بعض الفقهاء رأى تمامها ولم ير الركعتين الزائدتين قادحة فيها، ويوجَدُ عن بعضهم أنّه ألْزَمَ المصلي على ذلك بَدَلَها ولعلّ مِنْ حُجّتِه لأنه أتاها على خلاف ما أمر به فيها، وقد عذره من الكفارة إذ ليس هو كالمصلّي قصراً في موضع التمام، وهذا عندهم ومن الاختلاف أبعد». اهـ.
أشد
ويترتب على القول بعدم إجازة القصر في السفر المحظور؛ كالعبد يأبق من سيّده والمرأة تنشز عن زوجها، والرجل يَهْرَبُ عَنْ غريمه وهو يطيق لأداءِ حَقَّه، واللص يخرج قاطعاً لطريق المسلمين؛ أن يكون عليه البدل والكفارة لما صلاه قصراً لأن الواجب عليه التمام على هذا الرأي. والراجح لزوم القصر على المسافر مُطيعاً كان أو عاصِياً؛ ألا ترى أنّ البغاة الخارجين عن المسلمين انتهاكاً لم يُلزمهم المسلمون الإبدال والتكفير لِمَا صَلوه قصراً حال خروجهم باغين، كما ألزمهم ضمان ما أتلفوه من الأنفس والأموال، والله أعلم.
ولعل دليل منع القصر في السفر المحظور هو أن القصر في الأصل رخصة من الله لعباده في أسفارهم دفعاً للمشقة عنهم، وصَدَقَةً تَصَدّق بها عليهم، وهذه الرخصة والصدقة نوع من أنواع رحمته، ولا يستحقها إلا مطيع، ولما كان المسافر السفر المحظور عاصياً الله منتهكاً لحرماته ناسب حاله حرمانه من هذه الرّحمة، وإبقاؤه على تكليف التمام الذي
548