الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٧الإيمان، لكن لا يخفى أنه جزء من ماهية الإيمان التام، لا من مطلق الإيمان، بدليل أنه لا يحكم بالشَّرك على من ترك العمل، فإنّ الإيمان باق فيمن ترك العمل، ولكنه لا ينفعه، فمطلق الإيمان تركبت ماهيته عندنا بالاعتقاد والإقرار فقط، ورجح بأن الله جل جلاله ذمّ المعاند أكثر من الجاهل المُقصّر. ويجابُ: بأنّ الدَّم للإنكار والعناد لا لمجرد عدم الإقرار، وقيل: الاعتقاد فقط، وأما الإقرار فلما مَر مِن إشهار الدين والدعاء إليه، ونفي أحكام الشرك ونحو ذلك، وللعبادة والثواب والتوكيد، ويدل له إضافة الإيمان إلى القلب؛ مثل: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالْإِيمَنِ﴾ [النحل:
106]، ﴿وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِي رويد قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14]، وعطف العمل الصالح عليه في مواضع لا تحصى، ونطق اللسان من العمل الصالح وقرنه بالمعاصي؛ كالاقتتال والقتل والظلم في نحو: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) [الحجرات: 9] و كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في القتلى﴾ [البقرة: 178]، ها الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، مع ما في ذلك من قلة التغيير عن معناه اللغوي ومن قربه إليه، ويدل لذلك تعديه بالباء، فإنه يتبادر منه التصديق، ويدل له أنه إذا رأينا من أحد أمارة المؤمنين حكمنا بإيمانه، وأزلنا عنه حكم الشَّرك، وكذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم أنّ الإيمان في القلب وأنه بأي علامة كشف عنه حكمنا به، سواء كشف عنه باللسان، أو غير اللسان.
،
،
ولست في ذلك قاصداً لمخالفة أصحابنا رحمهم الله، ولكن ذكرتُ ما أدى إليه اجتهادي وأمَّا أحاديث: «أمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا … إلخ»، فقد يُستدل بها على أنَّ الإقرار جزء من ماهية الإيمان؛ لكن قد يقال: إن النُّطق إنما هو شرط لإجراء أحكام الإسلام، بدليل أنه رُتب عليه حقنُ الدَّماءِ والأموال إلا بحق، دونَ النَّجاة في الآخرة؛ بل وكل أمرهم إلى الله؛ فإن خالف اعتقادهم نطقهم أو عملهم، أو طابق، فهو العالم بذلك المجازي عليه.
107