الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٣منذ طلوع الشمس إلا إذا دلكت؛ فكيف يقام فرض الجمعة في وقت غير الوقت المعين، ثمّ هو في وقتٍ عُيّنَ بالنهي عن الصلاة فيه وهو التوسط؛ فهل هذا إلا تحكم على مشروعات الله جَلّ جلاله؟.
وأما السنة: فلو لم يكن إلا حديث أنس أنه كان يُصَلِّي الجمعة حين تميل الشمس، وقوله: «إذا مالت الشمس فصل بالناس االجمعة، هذا مَعَ مُواظبته على هذا الوقت قبل فرض صلاة الجمعة وبعد فرضها، واستمراره على الوقت نفسه منذ أول جمعةٍ جَمَعَها إلى
أن أتاه اليقين.
ومع
هذا فمن شأنه الرأفة والرحمة بالمؤمنين، ولو جازت الجمعة قبل الزوال لصلاها بهم قبل احتدام الظهيرة وإرماض الفصال، كما أنه عليه الصلاة والسلام أمر بإبرادِ الظهر في الصيف رفقاً بالأمة ولم يكلّفهم السعي إليها حتى من عوالي المدينة، ومن كان شأنه يأويه الليل في أهله فهم يهرعون إليها في هواجر الصيف، وصفع الحجاز أحرّ الأصقاع، ولا شك أن الوقت قبل الضُّحى الأعلى أبرد وأيسر خصوصاً على النائين عن بيضة الإسلام المدينة من تلك الهواجر اللافحة، ولو كان هنالك تخيير فيما قبل الزوال وبعده لاختار عليه السلام الأرفق بأمته، ولم يجمعهم ويُجمع بهم إذا استوت الشمس في بطن السماء، وحيث لا تخيير فالوقت الذي جرت عليه سُنته ببيان الله وبصلاة جبريل به هو الوقت للجمعة التي هي عين الظهر، وما عداه من الوقت بدعة في الإسلام وخلاف للشريعة.
وإن تعجب فعجب من قوم يُروون أحاديث التبكير ويبيحون الجمعة قبل الظهر! وهل فضيلة التبكير إلا بالنسبة إلى وقت مُعيّن ينتظره المبكر؟ وعلى دعواهم فالوقت غير معين، فأين فضيلة التبكير؟ إذ يمكن أن تكون حقيقة الوقت عند طلوع الشمس، فأين ساعة البدنة وساعة البقرة وساعة الكبش الأقرن وساعة الدجاجة وساعة البيضة إن قلنا: إنَّ الساعات هي هذه الأجزاء الزمنية؟.
23