الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١١٢سعادة الأبد، وعلى ضدّه شقاوته وهي لازم الكفر شرعاً، وأنه اعتبر في ترتيب لازم الإيمان وجودَ أمُورٍ بِعَدَمِها يترتب لازم الكفر، فمنها تعظيمه سبحانه وتعالى وتعظيم أنبيائه وكتبه وملائكته، وترك السجود لنحو الصَّنَم، والاستسلام باطناً لقبول أوامره ونواهيه الذي هو معنى الإسلام لغة، فلو كان رجل مُصدّقاً بوحدانية الله سبحانه وتعالى، ورسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبكل ما يجب التصديق به مُجملاً أو مُفَصَّلاً؛ ثم سَجَدَ لصنم، فهو باقٍ على ذلك التصديق في قلبه لم ينقص شيئاً، فبالظاهر نقول: إنه غير مشرك، وسجوده للصنم منزل منزلة سائر الكبائر التي يفعلها تشهياً إذا اعتقد تحريم ذلك. وبالتحقيق نقول: إنه مشرك ناقض لإيمانه وتصديقه، لأنه إذا سجد للصَّنَمِ، ورآه أهلاً لأن يُسْجَدَ له، فقد جَعَل الله شريكاً ولو اعتقد تحريم الإشراك والسُّجودِ لغيره، وإنْ سَجَدَ له عَبَثاً ففعله كبيرة نفاق، وقيل: شرك.
واتفق أهل الحق والأشاعرة والحنفية أنّه لا يُعتبر إيمان بلا إسلام، ولا عكس ذلك، إذ لا ينفك أحدهما عن الآخرِ إذا أُخِذ بالمعنى الحقيقي لَهُمَا، لكنا - أهل الحق والحنفية - خالفنا الأشاعرة؛ إذ حَكَمْنا بتكفير بعض النَّاس بأقوال وأفعال، ووافقنا مُحَققوا الأشاعرة؛ كَتَعَمُّدِ صلاة بلا وُضُوءٍ، ودوام ترك سُنّة استخفافاً بها واستقباحها، كإحفاء الشَّارب، وجعل طرف العمامة تحت الحلق، فَمَنْ فَصَدَ الاستخفاف بالسُّنَّة أشرك مطلقاً، ومَنْ فعل خلافها بلا استخفاف نافق وكَفَرَ كُفر نفاق، وهو كفر نعمة إذا كانت غير واجبة.
ومَنْ أنكر ما هو من الدين وليس علمه ضرورياً بل فيه خفاء؛ كاستحقاق بنت الابن السُّدْس مع بنت الصُّلب؛ فلا كفر لإنكاره عند الشافعية، وكَفَّرَهُ الحَنَفِيّة إن علم ثبوته قطعاً، أو ذكر له أهلُ العِلم أنه قطعي فاستمر على جحوده، وكَفَّرَهُ أصحابنا مُطلقاً لأنّه يُعذَرُ عندهم في جهل ما هو مُوَسَّع ما لم يدخل فيه بخلاف الحق.
واعلم أن الإيمان والإسلام متلازمان مفهوماً فلا ينفك أحدهما عن
112