نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٦٢

يعذر إلا مَنْ صَحَ عُذره، فلو كان في شرعه إقامتها في القُرى الغير الجامعة لأطلق لهم إقامتها في فراهم كسائر الصلوات، ولكن اقتضى الشرع الاجتماع لهذه الصلاة، ولا ريب في أنَّه يكون في الأمصار أوفر

من غيرها.

ووجه الحكمة في اقتضاء الاجتماع: هو اقتضاء الاجتماع: هو أنَّ الله عزّ وجلّ خَلَق الخلق فأخرجهم من العَدَم إلى الوجود، وجعل منهم جماداً ونامياً وحيواناً، فكان ما عدا الجماد أصنافاً؛ منها بهائم وملائكة وجنّ وأنس، ثم هي مختلفة المساكن من العلوّ والسُّفل، فكان أشرف العالم السفلي هم الناس لعجيب تركيبهم ولِمَا كَرَّمَهم الله تعالى به من النطق وركب فيهم من العقول والطباع التي بها غاية التعبد بالشرائع، ولم يَخْف موضعُ عظم المِنَّة وجلالة قدر الموهبة لهم، فأمِرُوا بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة التي فيها أنشِئَتْ الخلائق وتم وجودها، ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ما أنعم الله تعالى به عليهم.

الأحد،

،

وإذا كان شأنهم لم يَخْلُ من حين ابتُدِئوا مِنْ نعمة تتخللهم، وإنَّ منة الله مثبتة عليهم قبل استحقاقهم لها، ولكل أهلِ مِلَّةٍ من الملل المعروفة يوم منها مُعَظَّم، فلليهود يوم السبت، وللنصارى يوم وللمسلمين يوم الجمعة وهو اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله إليه وإذ جعله الله يوم شكرٍ وإظهار سرور وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي به تقع شهرته، فجمعت الجماعات له كالسنة في الأعياد، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيراً بالنعمة، وحثاً على استدامتها بإقامة ما يعود بآلاء الشكر.

ولما كان مدار التعظيم إنَّما هو على الصلاةِ جُعِلَتْ الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع، ولم تجز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى إلى الاجتماع، وإذا اعتبرنا الأحوال المقترنة بهذه الصلاة في زمنه؛ وجدناها كلها مرتبطة بهذه الحكمة، فوجب أن تكون

62