نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٦٣

مشروطة بوجوبها لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21].

ومَعْظَمُ تلك الأحوال هو أنه لم يصل الجمعة إلا في مصر وجماعة ومسجد، وأن لا تقام في غير المصر إلا حيث يوجد الإمام العدل، أو الإمام الجائر إن أقامها على وجهها ولم يؤخرها عن وقتها، فالإمام شرط وجوب وصحة.

لكن يختلف الحكم في هذا الشرط باختلاف أحوال الأئمة؛ فمع أئمة العدل تجب وتصح في الأمصار وغيرها، ومَعَ أئمة الجور تجب وتصح في الأمصار ولا تجب ولا تصح في غير الأمصار حتى ولو أقاموها على وجهها، إذ أصل وجوبها معهم في الأمصار ليس مُعَلَّلاً بوجودهم، ولكنَّه مُعَلَّل بوجود المصر، وأما صحتها معهم وخلفهم في الأمصار فلأن المسلمين صلوها خلفهم، إذ كانوا يأتون بها على وجهها وفي وقتها.

ولا يسقط عنا فرض الظهر أربعاً إن تبعناهم في صلاتهم الجمعة في غير الأمصار، لأنَّهم في الحق ليسوا بأولي الأمر الذين ولاهم الله علينا وأوجب علينا طاعتهم، فلا يقوم بهم حد، ولا تقام بهم جمعة، وقد عرفت أن اتباعنا إيَّاهم فيها بالمصر ليس من قبيل وجوب طاعتهم علينا، ولكنه من حيث وجوبها بمجرد المصر ونوافق أبا حنيفة في اشتراطه السلطان لكن على التفصيل والشريطة اللذين بَيَّنَّاهما.

إذا عرفت هذا فاعلم أن الموافق والمخالف معترف بأنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الخليفة الثاني رضي الله عنه قد مَصَّرَ سبعة أمصار أو ثمانية على شهادة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والملأ من المهاجرين والأنصار، وجرى العمل بذلك إجماعاً من الأمة في عصره وبعد عَصْره، ولم يناقضه في ذلك جهابذة العلماء من الصحابة رضي الله عنهم، ولا من دونهم، ولو كان في الأنفس حرج من تمصيره لَغَيّره من بعده عثمان أو عليّ أو عالم من علماء الصحابة أو التابعين فمن

63