الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٧٦من مدائن المصر أعظم عمارة وأكثر ساكناً، بحيث صارت قُرى المصر محتاجة إليها، وصارت هي مركز الحل والعقد، جاز للمسلمين نقل الجمعة إليها، لأنَّ نظر الشارع من حيث جامعية المصر وعظمة المدينة
من حيث كثرة المادِنين بها، ومن حيث قوة عمارتها بناء وبيعاً وشراءً ومن حيث انحياز الناس إليها وكثرة علاقاتهم بها، كالمشاهد في النسبة بين مدينة مسكد وما عداها من القرى العمانية، فما زالت منذ استولى عليها ملوك العرب وسلبوها من أيدي النصارى البرتغاليين هي للصفع، والتخت للمملكة، والقصبة للمصر، وصارت صحار متعلقة
بها.
العاصمة
ولم ينظر الشارع إلى نفس بقعة مخصوصة من المصر حتى لو صارت قفراً لا ساکن به إلا اليرابيع والصّبابُ، ومأخذ هذا من منطوق الحديث في لفظ: مصر جامع ومدينة عظيمة»: فإن الفدافد القفرة لا تسمى أمصاراً جامعةً، ولا مدائن عظاماً، وإنما التسمية ملازمة للحالة المقصودة شرعاً.
6
وعليه فلو أنَّ محلاً كان مصراً تقام فيه الجمعة، وتنفذ فيه الحدود، وكان تختاً لسلطان الله، انعدم أصلاً وصار في حين الخراب لم يجب على الناس أن يقيموا فيه جمعتهم بخصوصه ويتركوا مدينة عظيمة قصدها الشارع بمشروعية الصلاة فيها، ذلك لأنَّ الصفة والحال الموجبتين للجمعة في الأوّل قد انتقلتا إلى الثاني، كذا لو زالت الصفة والحال عن مصر بأسره؛ كما لو استولى عليه المشركون ولم يبق فيه للمسلمين وجود، لم يجب على الناس المهاجرة إليه لأجل إقامة
الجمعة فيه.
وكذا لو خربت مدائنه ولم يبق فيه إلا قرى لا تتصف بما يوجب التجميع فيها لم تجب الجمعة فيها، إذ لا واحدة منهن مصر جامع ولا مدينة عظيمة، ولو قصد الشارع خصوص بقعة عمرت أو خربت لبينه، وحيث بين ما اتصف بالصفة والحال علمنا ببيانه أن المقصود
76