الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٩٨،
قلت: لا مشاحة في كون سلوك طريقة السنة هو الشعار الواجب إظهاره، وفي أنّ واجب الأئمّة وقوام العدلِ إحياءُ ما أحيته السنة وإماتة ما أماتته فعلاً وتركاً، ولكن تلك الدولة الرضية ظهرت بفضل الله على حين فترة من الأئمة، وأعلامُ العدلِ مبعثرة، وواضحة السنّة منطمسة؛ لا حد ينفذ، ولاحق يُعطى، والقسط مخذول والظلم منصور، والدعوة تحت سيطرة الجَهَلَةِ الجبابرة، فكان من اجتهاد قوام القسط يومئذ ونظرهم للإسلام وحرصهم على إظهار عزّة الدعوة ونشر ما تقوى به هيبتها ويشتهر به شعارها؛ أنّ أقاموا صلاة الجمعة حيث تحضر الإمام من القرى، وكان ذلك في نظرهم من الجائز الذي لم تمنعه السُّنَّة على الأقل، فضلاً عن كونهم في مصر تحت راية إمام عدل، فأقاموها نظراً إلى المصلحة الدينية معتمدين على رأي شيخ مشايخ النحلة إمام الاستقامة الشيخ أبي سعيد المحقق الأعظم في علم الولاية والبراءة وأصول العقيدة رضي الله عنه وعنهم. على أنّ للأئمة والعلماء وأولي الأمر من ذوي العدلِ والعِلم النظرُ التام في مصلحة الإسلام، حيث لم يضق عليهم نطاق الجواز، وناهيك بما يبهر العقول وتستوحش منه النفس بادئ بَدْءٍ من صنيع عُمَرَ أمير
المؤمنين رضي الله عنه، والسُّنَن التي وفي أحدثها في ذوي القربى، المؤلّفة قلوبهم، والفيء، وعتق أمهات الأولاد على مواليهم، وإسقاط الجزية والذل والصغار عن نصارى تغلب، ورد أراضي الفيء مشاعاً لجميع المُسلمين، وكانت هذه السنن في ظاهرها مصادمة للنصوص فأجازها الصحابة وأمضَوْها، ولم يشكّوا بعد تركهم النصوص في عدلها
،
وصوابها، وتصويب عُمَرَ عليها لابتنائها على علل ومعاني طرأت فرأى من المصلحة والسياسة للدين إحداث هذه السنن على أنها ترتبت على أصول من الكتاب والسُّنَّة عَلمها بنافذ بصيرته، وكافيك بعُمر الأحوذي المُحدَّث، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلَنا، فتلك السنن نَصَبَها عُمَرُ وحكم بها وجامعه عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهداية من الله تبارك وتعالى جزاء جهادهم في الله
"
98