نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٠٤

مذهب مجتهد، نعم لو رفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نقطع النزاع. والله أعلم. اهـ.

قلت: يحتمل أن يكون مراد عمر رضي الله عنه وغيره من أصحابنا من كون الخطبة بدلاً من الركعتين أي بدلاً من ثوابهما، أي ثواب الخطبة المشروعة للجمعة بدل من ثواب الركعتين المحذوفتين، لا أنَّ الخطبة تقوم بدلا من ذات الركعتين، إذ يلزم منها أن تكون صلاة حكماً، فيمتنع فيها الممتنع في الصلاة، ويباح فيها ما يباح في الصلاة، ولو كانت في حكم الصلاة لبينها الشارع عليه الصلاة والسلام، ولبين ما تختص به من أحكام ممتنعة وجائزة كما بين خصائص صلاة الجنازة وصلاة الخوفِ مُوَاقَفَة ومُسَايفةً وكَرّاً وفرّاً. ولكنه واظب على الخطبة في الجمعة وأمر بها وحَضَ عليها بما عُلِم أنها واجبة من الشروط الواجبة، فيؤتى بها كما فعلها وأُمر بها بجميع صفاتها وأحكامها اللازمة لها، ولا يُتَجاوز بها عن حدّ كونها خطبة واجبة بين الأذان والإقامة من صلاة الجمعة.

فأحق ما يحمل عليه كلامُ عُمَرَ إن صحت الرواية عنه، وكلام ابن المُسبّح وابن النضر رحمهما الله، أن يكون مرادهم ثواب الخطبة نائب منَابَ ثواب الركعتين، وإلا فلا يتصور كلام أهل (الديوان) من كونها غير صلاة، لكنها تقومُ مَقامَ الركعتين، ففي أي مقام تقوم مقامهما وهي غير صلاة إلا في الفضل والثواب.

على أن نيابة خطبة في الفضل والثواب مناب ركعتين من فريضة أعني من ثوابهما أمر لا يدرك بالقياس والنظر والاجتهاد، إنما هو من الأحكام التوقيفية، فلعل الفاروق عَلِمَ ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعَبّر عنه إجمالاً، وغير بدع من فضل الله وكرمه أن يجعل ثواب هذه الخطبة نائباً مناب ثواب الركعتين المحذوفتين؛ ففي الحديث الصحيح من طريق أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غَسَلَ الجمعة يوم واغتسل، وبكر وابتكر، ومشَى ولم يركب، ودنا من الإمام، واستمع

1.8