الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١١٠ويدل للجمهور أنه في أغلب الخطب بعد الثناء على الله تعالى يأتي بلفظتي: «أما بعد ثم يذكر موضوع خُطبته؛ وهذا اللفظ وضع للفصل بينه وبين ما بعده من موعظة ونحوها، قال سيبويه: «أما بعد معناها مهما يكن من شيء بعد.
قال أبو إسحاق الزجاج: إذا كان الرجل في حديث فأراد أن يأتي بغيره قال: «أما بعد، وهو مبني على الضم لأنّه من الظروف المقطوعة عن الإضافة؛ وقيل: التقدير: أمّا الثناء على الله فهو كذا، وأما بعد
فكذا.
واختلف في أوّل من قالها؛ فقيل: داود عليه السلام» رواه الطبراني مرفوعاً من حديث أبي موسى موسى الأشعري وفي إسناده ضعف، وروي عن الشعبي موقوفاً أنها فصل الخطاب الذي أعطيه داود؛ وقيل: «أول من قالها يعقوب عليه السلام رواه الدارقطني بسند واه في غرائب مالك؛ وقيل: أوّل من قالها يُعرب بن قحطان؛ وقيل: كعب بن لؤي وسنده ضعيف؛ وقيل: سحبان وائل؛ وقيل: قس بن ساعدة؛ وأياً كان فهو لفظ نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبه، ووقع في كتبه فضلاً بين ما يثني على الله به، وبين موضوع خطبته أو كتابه.
وتتبع بعضهم طرق الأحاديث التي وقع فيها: أما بعد؛ فأخرجه عن اثنين وثلاثين صحابياً، وكلها ظاهرها المواظبة على ذلك، فيقتضي أنه لم يكتف بمجرد الثناء على الله دون التحذير والأمر بالتقوى والتبشير والتشريع وبيان الأحكام، وربما وقع في بعضها التعريض بكراهة أفعال تصدر من أحد؛ فيقول: «ما بال أقوام، أو ما بال أحدكم يفعل كذا وكله من باب الردّ إلى الله والهداية إليه.
ولا يخص بهذا جمعةً ولا غيرها، وأغلب خطبه مبنية على الإنذار، لأنّ الناس إلى الإنذار والتخويف أحوج منهم إلى التبشير لتماديهم في الغفلة، وانهماكهم في الشهوة، فكان حاله في خطبه وإنذاره القوم بمجيء يوم القيامة وقرب وقوعها، وتهالك الناس فيما يُرديهم أي
110