الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١١١يهلكهم، بحال من ينذر قومه عن غفلتهم بجيش قريب منهم، يقصد بهم بغتة مِنْ كُلّ جانب، فكما أنّ المنذر يرفع صوته وتحمر
الإحاطة
عيناه ويشتد غضبه على تغافلهم، فكذا كانت حالته.
إنَّه
ونظير هذا أنّه لما نزل ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، صعد عليه الصلاة والسلام الصفا، فجعل ينادي بطون قريش وأعمامه وعماته وأولاده، ويقول: «لا أغني عنكم من الله شيئاً، أنا النذير العريان»،، ومن كانت هذه حاله في خُطبه، فلا ينبغي أن يقال عنه: يكتفي في خطبة الجمعة - وهي أعظم الاجتماعات الدينية بعد الحج - بمجرد الثناء على الله، وإن كان في الأصل هو مُقدِّم على كل شيء ذي بال، فتقديمه سُنّة مؤكّدة يؤتى به في الأمور ذوات البال، لئلا تكون جذماء مقطوعة البركة.
وقد عابت الأمة برمتها الخطبة البتراء على خاطبها لعنه الله، حيث قطع صاحبها عنها الثناء على الله وذكر رسوله، وحيث كانت سُنَّته في الخطبة تقديم الثناء على الله على ما سيخطب به، صار الثناء ركناً لا بد منه يقصد المعنى، وصار ما سيخطب به ركناً آخر مقصوداً لذاته، ليردّ به القلوب التي استولت عليها الغفلة، وارتهنتها الشهوات، وشطنتها النفس والشيطان بأشطان الهوى، ردّاً بالموعظة والتذكير، والحكمة والتخويف إلى الله تعالى، وهذا هو المقصود بذاته في الخطبة، فيصدق عليها أنّها ذكر الله من هذه الحيثية، ومن حيث أنها جمعت أنواعاً من الذكر، كالثناء، والشهادة بالوحدانية الله، وبالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وما أشبه هذا مما يكون من عدد ذكر الله وما كان راتباً في خطبه من تعظيم الله وتمجيده، والدلالة على نعوته وصفاته.
،
لكن وإن صدق على الخطبة أنّها ذكر الله فلا حجة ولا دليل على تخصيص إرادة الخطبة بمجردها دون الصلاة في الآية الشريفة، وهو قول سعيد بن المسيب، واستُدِل له بقوله: «إذا كان
يوم
الجمعة
111