نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٢٥

سمعها أنصت، وإن لم يسمع جاز له أن يُسبّح، أو يتكلم في مسألة

من العلم، وبه قال أحمد وعطاء وجماعة.

الجمهور على أنّه إن تكلم لم تفسد صلاته؛ وروي عن ابن وهب من قومنا أنّه قال: من لغا فصلاته ظهر أربع.

وإنما صار الجمهور إلى وجوب الإنصات لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت.

وأما من لم يوجبه فلعل شبهتهم أنَّ هذا الأمر مُعارض بدليل الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْهَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ ترحمونَ﴾ [الأعراف: 204]، أي أنّ ما عدا القرآن لا يجب الإنصات له، ولعلّهم لم يبلغهم الحديث، وإلا فدليلهم هذا في غاية من الضعف، إذ فَرْضُ الإنصات للقرآن لا يمنع وجوب الإنصات لغيره مع الدليل على الإيجاب.

وأما رد السلام وتشميت العاطس فسبب الخلاف فيه تعارض عموم الأمر بهما، لعموم الأمر بالإنصات، واحتمال أن يكون كل واحد من الأمرين مستثنى من صاحبه، فمن استثنى من عموم الأمر بالإنصات يوم الجمعة الأمر بردّ السلام والتشميت أجازَهُما، ومن استثنى من عموم الأمر بردّ السلام والتشميت الأمر بالإنصات في حين الخطبة لم يُجز ذلك، ومَنْ فَرَّقَ فإنّه استثنى ردَّ السلام من النهي عن التكلّم في الخطبة، واستثنى من عموم الأمر التشميت وقت الخُطبة.

وإنّما ذهب واحد واحدٌ من هؤلاء إلى واحدٍ واحدٍ من هذه المُستَثْنَيَاتِ لما غلب على ظنّه من قوة العموم في أحدها وضعفه في

الآخر؛ وذلك أنَّ الأمر بالصمت هو عام في الكلام خاص في الوقتِ والأمر برَد السلام والتشميت هو عام في الوقت خاص في الكلام، فمن استثنى الزمان الخاص من الكلام العام لم يُجز ردّ السلام ولا التسميت

125