الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٤المسألة السابعة
لما بين سبحانه فرض الصوم وبيَّن ميقاته من السَّنَةِ وهو شهر رمضان، بين سبحانه رَفع الحرج عن عباده، وكيف يكون الحكم مع وجود المشقة، لأن الصوم في " ذاته مشقة لكنها مستطاعة، فتكرم بفضله على عباده أن لا يجمع عليهم مشقتين في زَمَنِ واحِدٍ إلا من استطاع جمعهما فله الخيار؛ فقال تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر [البقرة: 184] الآية.
معه
يقول سبحانه جل ثناؤه من كان منكم معشر البالغين العقلاء الداخل عليهم رمضان مريضاً مرضاً يشق معه الصوم بعض مشقة، أو يضره أو يتأخر بزءه، أو يزيد به المرض بالتجربة أو بإخبار الطبيب المسلم الحاذق؛ لقوله تعالى: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ [البقرة: 185]، فإذا كان الصيام يعسر مع المرض فهو إعسار لم يرده الله بعباده وله الحمد والمنة، وحينئذ حلّ الإفطار، فتبين أن شرط الإفطار عُسر الصوم لا وجود المرض الذي لا يعسر معه الصوم اعتباراً بظاهر الآية، وقد اعتبر هذا الظاهر ابنُ سيرين فأفطر لوجع أصبعه. ثم إن المرض الذي يعسر الصوم مبيح للإفطار لا يُنتظَرُ به الاجهاد، كما ذهب إليه الشافعي فقال: لا يفطر حتى يجهده الجهد الذي لا يُحتَمَلُ؛ فهذا من العُسر الذي لم يُردُهُ الله بنا، ومن الإفراط
معه
فيما يَسَّره الله. ورُوي عن مالك: يفطر صاحب الرمدِ الشديد، أو الصداع المضر وليس به مرض يُضجعُه إن شاء.
ومذهب ابن سيرين رواية عن الشافعي أيضاً، فلعله رجع عن ذلك الإفراط إلى هذا التفريط، وعلى هذا الحسن البصري، وعمدتهم إطلاق الآية، وأنَّ السَّفَرَ قد يخلو عن مشقة، وحَلّ الإفطار فيه ولو بدون مَشَقّةٍ لأنه مظنتها وسَبَبُها، وهذا منتقض عليهم بأنّ أصل الرخصة لم يتعلق بنفس المرض، لأنه يتنوّع إلى مرض يزيد بالصوم وإلى مَرَضِ يخف به،
14