الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٦وبالجملة: فقد اختلفوا في المرض والسفر المبيحين للإفطار على
أقوال:
أحدها: إِنَّ أي مرض كان وأي مسافرٍ كان فله أن يترخص، تنزيلاً لِلّفظ المطلق على أقل أحواله، وقد ذكرتُ أنه قول الحسن وابن سيرين ورواية عن الشافعي، وعن داود الرخصة حاصلة في كل سفر ولو كان فرسخاً.
وكذا
والثاني: إنّه المرض الذي لو صام لوقع في مشقة وجهد، السفر، وهو قول الأصم، وحاصله تنزيل اللفظ على أكمل أحواله. والثالث: قول أكثر الفقهاء، ورواية عن الشافعي أنه الذي يؤدّي إلى ضرر في النفس أو زيادة في العِلّة، إذ لا فرق في العقل بين ما يُخاف منه، وبين ما يؤدّي إلى ما يُخاف منه؛ كالمحموم إذا خاف أنه إذا صام اشتدّ حُمّاه، والأرمد يخاف أن يشتد وجعُ عينيه.
قالوا: وكيف يمكن أن يقال: كل مرض مرخص مع علمنا بأنّ في الأمراض ما ينفعه الصوم؟ فالمراد إذن منه ما يؤثر الصوم في تقويته تأثير يعتد به، والتأثير اليسير لا عبرة به، والمرض المرخص لا يفرق فيه بين أن يعرف كونه كذلك بنفسه أو يخبره بذلك طبيب حاذق بشرط كونه بالغاً مسلماً عدلاً.
وأصل السفر من الكشف؛ لأنّه يكشف عن أحوال الرجال
وأخلاقهم.
وعن الزهري: سُمّي مسافراً لِكَشْفِ قناع الكنّ عن وجهه وبروزه
للأرض الفضاء.
قال الأوزاعي: السفر المبيح مسافة يوم.
وعند الشافعي: مُقدّر بستة عشر فرسخاً، ولا يحسب منه مسافة الإياب، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو
17