الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٨القصر ومقدار الفرسخين، وإنما قال جل ذكره: أَوْ عَلَى سَفَرٍ
[البقرة: 184]، دون أن يقول مسافراً، كما قال: مريضاً» لأن السفر يتعلق بقصده واختياره، والسرّ في هذا التعبير أن الصائم إذا فاجأه المرض المخوف معه الضرر ولو في أثناء اليوم كان له الإفطار، وليس كذلك السفر إن عزم عليه أثناء النهار، فعبر بعلى في السفر دون المرض، أي: فمن كان مستعلياً على السفر ومتمكنا منه بأن كان متلبساً به وقت طلوع الفجر عازماً على نية الفطر من قبل التلبس به.
وبالجملة: فالسفر مبيح للإفطار مطلقاً فلا تشترط فيه المشقة، و تمام حكم الرخصة هو ما ذكره الله وبيَّنَهُ بقوله جَلَّ ثناؤه: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَر [البقرة: 184]، أي: فَعَلَيْه - أي المريض أو المسافر - صيام عدة من الأيام توافق عدة ما أفطر فيه من الأيام، فالعدة بمعنى معدودة، كالطحن بمعنى مطحون، فَدَلّت الآية أنّ عَلَيْهِ عدة الشهر إن كله؛ إن كان تسعة وعشرين قضى تسعة وعشرين فقط. ولو بدأ القضاء من أول شهر وكان فيه ثلاثون.
أفطره
قال القطب: فلا تَهِمْ فإنما عليه قضاء رمضان الذي خوطب به، فإذا كان من تسعة وعشرين لم يَزْدَدُ، والآية حجة لي، وذكر بعضُ أصحابنا وشَهَرُوهُ وبعضُ قومنا أنّه إنْ بَدَأ من أوّل الشهر أتمه زاد على رمضان أم نقص، وبعض إن نقص أتمه. اهـ.
ومن: للبيان أو للتبعيض، أي عِدّة من جملة أيام، مثل أن يخص أياماً من شهر كأوَّلِه وَوَسَطه وآخِرِه.
وقوله تعالى: {أُخَرَّ [البقرة: 184]، هي جمع أخرى بجمعهم الكُبْرَى على الكُبَرِ، والقُربى على القرب، وإنّما وُصِفت الأيام بأخَرَ مِنْ حيث إنها جمع ما لا يعقل، وجمع ما لا يعقل يجوز أن يُعامل معاملة الواحدة المؤنثة ومعاملة الجمع للإناث، وإنّما أوثر هنا معاملته معاملة، لأنه لو جيء به مفرداً فقيل: عدة من أيام أُخرى؛ لأوْهَمَ أنّه
الجمع
وَصْفٌ لعدة فيفوت المقصود.
18