الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٣لهذا الظنّ هو الخطاب العام لجملة المؤمنين بقوله جل وعزَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] الآية إلى قوله تعالى: وَمَن كَانَ في يضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة: 185] إلى آخر الآية، فأنبأت الآية الكريمة بأنّ المكتوب صومه من الشهور على كل المؤمنين هو شهر رمضان مسافراً كان أو مقيماً لعموم الخطاب به، وبأن قوله جل ثناؤه: وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَبَاء أُخر} [البقرة: 185]، أراد به سبحانه الترخيص للمريض والمسافر والتعليم لهما بإطلاق عزيمة الصوم عنهما، لا أنّ الإفطار عزيمة عليهما تقابل عزيمة الصوم على الصحيح والمقيم.
ومما يؤيد هذا المذهب ويؤكّد صوابه وصحته وترجيحه على المذهب الأوّل تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله عليه السلام إذ سئل عن الصوم في السَّفَر: إن شئت فصُم، وإن شئت فأفطر». وفي مجرد هذا الحديث الكفاية الكافية عن استشهاد بما عداه من الأخبار الناهضة بالاستدلال على صحة ما قلناه.
منها حديث عائشة أن حمزة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر، وكان يسرد الصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر.
ومنها الرواية الثانية في هذا الحديث عن أبي الأسود: أنّه سَمِعَ عَمْرو بن الزبير يحدّث عن أبي مرواح عن حمزة الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا رسول الله، إنّي أسرد الصوم فأصوم في السفر. فقال رسول الله: إنما هي رخصة من الله لعبادِهِ؛ فمن فَعَلَها فحَسَن جميل، ومَنْ تركها فلا جناح عليه، فكان حمزة يصوم الدهر فيصوم في السَّفَر وفي الحضر، وكان عروة بن الزبير يصوم الدهر فيصوم في السفر والحضر، حتى إن كان ليمرض فلا يُفطر، وكان أبو مراوح يصوم الدهر فيصوم في الحضر والسفر.
ففي هذا مع نظائره من الأخبار التي يطول باستيعابها الكتاب، لدلالة
23