الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٩وكذلك اختلفوا في المجنون؛ ومذهب مالك وجوب القضاء عليه، وفيه ضعف لقوله عليه الصلاةُ والسّلام وعن المجنون حتى يفيق» والذين أوْجَبُوا عليه وعلى المُعْمَى عليه القضاء، إذ جمهور فقهاء الأمصار على وجوب القضاء على المغمى عليه.
كذلك اختلفوا في كون الجنون والإغماء مُفسِدَيْنِ للصوم؛ فقال فريق هما مُفسِدان وقال فريق: آخرون هما غير مُفسِدين. وفريق فرقوا بينَ أنْ يكون أغمي عليه بعد الفجر أو قبل الفجر.
وقال فريق: إن أغمي عليه بعد مَضِيّ أكثر النهار أجزأه، وإن أغمي عليه أوّل النهار قضَى، وهو مذهب مالك.
وهذا كله فيه ضعف، فإنّ الإغماء والجُنون صفة يرتفع بها التكليف وبخاصة الجنون، وإذا ارتفع التكليف لم يوصَفُ بمُفطر ولا صائم، فكيف يقال في الصفة التي ترفع التكليف أنّها مبطلة للصوم إلا كما يقال في الميت أو فيمن لا يصح منه العمل: إنه قد بطل صومه وعمله.
والقول الأول: يوجب على المغمى عليه قضاء كل يوم وقع الإغماء
والقول الثاني: لا يوجبه إلا إن أفطر بأحدِ المفطرات، أو لم يبيت النية من الليل.
والقول الثالث: المُفسِدُ له إن أغمي عليه قبل الفجر يوجب عليه قضاءَ كلّ يوم طلع فجره على من لا يعقل صومه، وهذا أحوط لأنه شرع في الصوم مع الفجر بلا عقل ولا نية.
ولو نوى قبل ذلك لكنّه عند الفجر لا نية له لزوال عقله، ولا يصدق عليه أنه مستصحب للنّيَّةِ، ولا يصدق عليه أنّه فاعل للصوم، ولا يَرِدُ عليه بأنّ الذهول لا يُفسِدُ الصومَ إذا كانت النيّة مُبَيَّتَةً من الليل، وبأن النوم لا يُفسده لأنّ الذهول أمر كثير لا يطيق أحَدٌ عَدَمَهُ، والنوم مباح
29