نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٢٣

فَأُولَيكَ هُمُ الْفَسِقُونَ} [النور: 55] يعني: ومَن يستر الحق فهو فاسق. ومعلوم أنّ الكفر المطلق أعم من الفسق، ومعناه: مَنْ جَحَدَ حَقَّ الله فقد فَسَقَ عن أمر ربه بظلمه.

ولمّا جُعِل كل فعل محمود من الإيمان جعل كُلِّ فعل مذموم من الكُفْرِ؛ وقال في السِّحر: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا [البقرة: 102] الآية، وسَمَّى آكِلَ الرِّبا كفاراً أثيماً، وقال في آية الحج: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].

قال القُطب رضي الله عنه: «الكفر لغةً: النعمة، وأصله الكَفْرُ ستر بالفتح، وهو الستر وهو الستر، ومنه قيل للزَّارع كافر لأنه يستر البذر، وكذا الليل لأنّه ساتر بظُلْمَتِه، وكذا البحر لأنه يستر ما فيه وما وقع فيه والطَّلْعُ لأنه يستر الثَّمار. فهو في أصل اللغة مُطلق الستر، ثم اختص في عُرف أهلها بستر النعمة وهو عدم شكرها.

وأمّا في الشرع: فله مَعْنَى عام وهو ستر النعمة الذي هو عدم شكرها، فإن فَعلَ كبيرة النفاق أو الشِّرك خَرَج عن شكر النعمة، فإنَّ شُكْرَها هو عَدَمُ فِعْلِ ذلك والتَّحرّز عنه، ومَعْنَيان خاصانِ: أَحَدُهما: يُسَمَّى نفاق عندنا وهو فعلُ الكبيرة التي دونَ الشَّرك، والآخر: كفر شرك سواء أظهر أو لم يُظهَرْ، وهما فِعْلُ كبيرةِ الشَّركِ، وهما المراد

في الآية: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ إلى آخرها [البقرة: 6]. ويخص أصحابنا ما لم يظهر منه باسم آخر هو لفظ النِّفاقِ أيضاً وحد كفر الشِّرك بنوعيه بأنّه إنكارُ ما عُلم بالضرورة مجيء الرُّسل به، وخَرَجَ بلفظ الإنكار الفعلُ، فإنّه ليس شركاً كلبس هيئة المُشرِك، وإنما حُرَّم لأنّه يُوهِم أنَّه مُشرك فيحكم مَنْ لم يَعْلَمُه مُسلماً أنَّه مُشرِك، ويظنّ علمه بالتوحيد بأنّه مرتد، ولأنَّ التَّحرّز عن هيئتهم من تمام بغضهم، فلو لبس الإنسان الزُّنّار لَدَلّ على أنه نصراني أو مرتد إلى

من

النصرانية، ومن صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجترئ على لبسهم ظاهراً. والزُّنّار بضم الزَّاي: خيط غليظ فيه ألوان يُشَدُّ في الوسط فوق

123

١٢٣ / ١٬٦٨٣