نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٣٤

والإرادة هنا معناها الطلب خروجاً عن تَبَدُّل الإرادة، أعني الصفة الذاتية، فإنّها لا تتبدل.

وقَبَّح الله المعتزلة! فقد زَعَمَتْ أنّ إرادته تعالى وتقدس قد يخالفها العبد وتبطل، وكَذَبُوا وأخطؤوا؛ فإن ربنا إذا أراد شيئاً كان ولا قدرة للمخلوق على معاكسة إرادته. وإبطالها.

ومعنى الآية هنا: إنّه جل جلاله يشرع للعباد اليسر من التكليف، ولا يشرع العُسر عليهم والإشقاق والحرج، فهو يطلب إليهم هذا الشرع اليُسْرَ، ولا يطلب إليهم ما يعسر عليهم في دينه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين من حرج﴾ [الحج: 78]، طلباً منه للتيسير عليهم والتسهيل. ومن جملة ذلك أنه طلب اليسر ولم يطلب العسر بكم بإباحة الفطر في مظنتين من مَظَانٌ المشقة، وضرورتين لا يجتمعان مع مشقة الصوم؛ وهما المرض الذي فسرناه لا مطلق المرض، والسفر المبينة شروط الإباحة فيه لا عموم السفر. ومن جملة ذلك الطلب لليسر أن ربنا تبارك وتعالى شَرَعَ أولاً التخيير للمكلّف بين الصوم وبين أن يفتدي من الصوم بفدية هي طعام مسكين، تسهيلاً علينا وتأنيساً لنا، ثم نَسَخَ ذلك التخيير بعزيمة الصيام وحَتْمِهِ، مع مراعاة اليُسر بفطر المريض والمسافر، وقضاء عدة ما أفطراه من الأيام في عِدّة من أيام أخر غير مؤقتة ولا محصورة، لكنها مُوَسَّع فيها إلى بقاء مثلها من شعبان، فإن عجز عن القضاء فيها بمرض أطعم عن اليوم مسكيناً، وفي هذا من اليُسر ما يليق برحمة أرحم

الراحمين.

،

ومن فهم عن الله وانكشفت عن عقله أغيانُ الغباوة رأى أن حكمة فرض التخيير أولاً ونَسْخَهُ بعزيمة الصوم مَعَ بقاء اليسر عَلَم من أعلام التدريب والتمرين على مشقة الصوم، فلو فرِضَتْ عزيمة الصوم باداء بدء من غير تخيير وكان الصوم غير معهود للناس، لكان زيادة في الكلفة، والتدريب يُسَهِّلُ الصعبَ، والله سبحانه أعلم بحالة عباده في

34

١٬٢٣١ / ١٬٦٨٣