نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٥٤

به المفتدي من صومه فهو خير له، فإنَّ جَمْعَ الصوم مع الفدية من تَطَوَّع الخير، وزيادة مسكين على أجر الفدية من تَطَوُّع الخير، وكل معنى من هذه المعاني من نوافل الفضل، فالأحرى بتحضيض الله تعالى أن يكون متوجهاً إلى جهة من التطوّع هي أجمعُ للخير وأوفر للفضل والله أعلم.

ثمّ إنَّ الله جعل التطوّعَ بالخير درجةً فوق دَرَجَةِ الفدية، وجعل فوق

درجة التطوع بالخير الذي عناه سبحانه دَرَجَةَ الصوم، فقال جل ثناؤه: وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}؛ ففضل سبحانه الصوم على الإطعام والإفطار، ولو مع زيادة في الإطعام على القَدْر الواجب، ويحتمل التفضيل على الإفطار والإطعام والزيادة فيه، وذلك لقوة التشدّد والصلابة في الدين بالاستعمال والأخذ بعزائم الله على التنازل إلى الرخص وإن كانت محبوبة إلى الله، إلا أنَّ العزائم أسبق إلى الفضل وأجدر بالعمل ما وَجَدَ العبد لها طوقاً من نفسه واحتمالاً لإدراكها؛ والدليل الآية. فإذا انغلق باب الطوق ولم يبق إلا الجهد وجبت الرخصة، لأنَّها ملجأ المضطر ومقام العاجز.

وإن قدرنا: لا يطيقونه لنحو كبر من العِلَلِ اللازمة، أو قَدَّرنا: كانوا يطيقونه ثم عجزوا لكبر ونحوه من العلل اللازمة، مع ما في التقديرين من التكلف، فحينئذ لا نسخ، لكن قد عرفت ممَّا مرَّ أن الصحيح ما عليه الجمهور من النسخ.

وقدر بعضهم لا يطيقونه أو كانوا يطيقونه شاملاً لكبر ونحوه وحَمْل ورضاع، إلا أنَّ الحامِلَ والمُرضع تقضيان صومهما ولو أطعمنا، ولا إطعام على مريض لا يُرجى برءُهُ، وعلى ترك التقديرين فلا يشمل قوله تعالى: {يُطِيقُونَهُم مرضعاً ولا حاملاً، لأنهما ولو وجدتا الطاقة لكن المبيح لفطرهما عارض غير عدم الطاقة منهما، وهو الخوف على الجنين وعلى الرضيع، فوجب عليها الإفطار لنجاة نفس من الهلاك غير نفسيهما، فخالف حكمهما حكم المطيق، ولذلك وجب عليهما القضاء والفدية، لأنَّ الصحيح المطيق إفطاره على التخيير

54

١٬٢٥١ / ١٬٦٨٣