الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٥٦المصالح الدينية والدرجات العملية والأخروية.
ومن ثمرات الصوم إيجابه الرحمة والعطف لأهل الضعف والمسكنة؛ فإنَّ ألَمَ جُوع الواجدِ مذكّر له بحالة المُعدِم، وكونه يَتَضَوَّر جوعاً في أغلب أوقاته، ملازم للمسغبة في أكثر حياته، فهو من حيز التذكير من الله للذين فَضَّلَهم في المعيشة على من هو دونهم فيها، ولينبههم أن المقتر عليهم في الرزق ربَّما كانوا أفضل منهم في درجات الدين أو العلم أو الأخلاق، وأنَّ التفضيل في الرزق مَحْضُ كرم وجود وفضل من الله يختص به من شاء من عباده، لا باستحقاق على الكريم الوهاب لهذا المرزوق الضعيف الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، وإذا كان الصومُ مُلفتاً إلى هذه الوجهة الشريفة، داعياً إلى هذه الدرجة العالية، كان التعبد به فضلاً من الله على عباده.
ثمَّ إنَّ الرحمة التي يقذفها الله في قلب الصائم، وجَعَل سبحانه مُسببها الصوم، حقيقتها في حَقِّ الحَيَوانِ أَلَمْ باطن، إذا استشعر به في باطِنِهِ سَارَعَ إلى علاج ذلك الألم بالإحسان إلى مرحومه، فإذا أحسن إليه وَجَدَ في نفسه بعض راحةٍ من المِهِ ذلك، فينال بذلك الإحسان
ما عند الله من حُسن الجزاء، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟.
وإذا أمعنت النظر هنا وجدت في طوايا هذه الحكمة بحراً عظيماً من مواهب الله ومِنَنِه، فإنَّ رحمة الواجد للمُعدِم فيها نفع للراحم وللمرحوم دنيوياً وأخروياً، وإنما اختار الله الصوم أن يكون مؤثراً لهذا الأثر الجميل، لما فيه من الآثار العالية، ولما يترتب عليه من الأجر الأخروي الذي لا يَقْدِرُ قدره إلا الله، وإلا فالله سبحانه قادر أن يُلَيِّنِ أقسى القلوب ويعطفها على أبغض الخلق إليها بدون واسطة الصوم، لا جَرَمَ جَعَلَه سبحانه جامعة من جوامع الخير، ولذلك صار جُنَّةً
العذاب.
من
ومن ثمرات الصوم: موافقة حال الفقراء بِتَحَقُلِ ما يَتَحَملون من غُصَص الفقر، ويكابدونه من مَشَفَّاتِ الضرورة، وفي ذلك من درجة
56