الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٥٧الزهد ورفع الحال عند الله تعالى منصب عظيم من مناصب الدين، حتى رُوِيَ عن بعض الزهاد أنَّه دخل عليه رجل في الشتاء، فوجده جالساً يرتعد من شدّة البَرْدِ، وثوبُ
الزاهدِ مُعَلَّقٍ على المشجَبِ، فقال له: في مثل هذا الوقتِ يُنْزَعُ الثوبُ؟ أو معناه فقال: يا ابن أخي، الفقراء كثير وليس لي طاقة مواساتهم بالثياب فأواسيهم بتحمّل البَرْدِ كما يتحملون. وبالنظر إلى ما ذكرناه قيل: الصومُ رُبُعُ الإيمان، وإنما كان ربع: الإيمان بمقتضى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصوم نصف الصبر»، وفي رواية: «الصيام نصف الصبر»، وفي رواية هكذا لكن بزيادة: وعلى كل شيء زكاة، وزكاة الجَسَدِ الصيام.
وبمقتضى الحديث؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: الصبر نصف الإيمان وفي رواية بزيادة واليقين الإيمان كله والمراد بالصبر العمل بمقتضى اليقين، إذ اليقين معرفة أنَّ المعصية ضارّة والطاعة نافعة، وغير ممكن تركُ المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر، وحقيقته استعمال باعثِ الدين في قهر باعِثِ الهَوَى والكَسَلِ، فكان الصبر بهذا الاعتبار
نصف الإيمان.
علوم کر
فعلم بهذا أن الصيام نصف الصبر، وبأنَّ الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الشهوة والغضب، فالنفس تشتهي الشيء بحصول اللذة بإدراك مشتهاها، وكذا تغضب إذا فاتها وتنفر لأنَّ في جبلتها النفرة عن
شهوة
الأمر الذي يؤلمها، والصوم صبر عن مقتضى الشهوة فقط، وهي البطن والفَرْج دون مقتضى الغَضَبِ، لكن من كمال الصوم حبس النفس عنهما، واعتبر بعض كون الصيام نصف الصبر لأنَّ جميع العبادات فعل وكف، والصوم يقمع الشهوة فيسهل جانب الكفّ وهو شرط الصبر فهما صبران صبر عن أشياء، وصبر على أشياء؛ والصومُ مُعين على
أحدهما.
وإذا فُسِّر الصبر في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلوة [البقرة: 45] بأنه المراد به الصوم، فلا يتجه كونه نصف الصبر،
OV