الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٥٩الغذاء ليس إلا الله، وإن اتصف به العبد فإنَّما اتصف به باعتبار تقييد ما من تقييدات التنزيه، لا بإطلاق التنزيه الذي لا يكون ولا ينبغي أن يكون إلا لجلال الحقِّ تعالى، فقال: وأنا أجزي به أي: أكون برضواني عنه وتقريبي له جزاء له عن صومه.
وقيل: سبب إضافة الصوم إليه سبحانه تخصيصاً من بين سائر العبادات أنّه لم يُعبَد به سواه من معبودات المشركين كما عظموا أوثانهم بصورة الصلاة والسجود والصدقة والذكر وغير ذلك؛ ونقض هذا القول بأن أرباب الاستخدامات يصومون للكواكب؛ وأجيب بأنهم لا يعتقدون ان الكواكب آلهة وإنَّما يقولون: إنّها فعالة بنفسها وإن
بعضهم
كانت مخلوقة.
وقيل: معنى الإضافة أن سائر العبادات يُوْفَّى منها ما على العبد من الحقوقِ، إلا الصيام فإنّه يبقى موفراً لصاحبه لا يوفى منه حق، ورد ذلك في حديث لكن ورد حديث آخر فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال المذكورة للأخذ منها؛ ففيه: «المفلس: الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا. . .» الحديث؛ فدل على الأخذ من الصيام كسائر الأعمال، ويبحث فيه بأنَّه إذا صُحْحَ الاستثناء كانَ قاضياً على عموم حديث الأخذ، وقيل فيه غير هذا.
وأقول: لتأويل الحديث احتمال آخَرَ وهو أن يقال: معناه: الصوم لي كسائر الأعمال الخالصة لوجهي، وأنا أجزي به كما أجزي بسائر الأعمال، وإنّما ذكره مضافاً مخصوصاً من بين سائرها تنويهاً بشرفه وبمكانة الصائم من الله سبحانه، كما يقول أحدنا لِمَنْ عمل له عملاً أرضاه به فقال: عملك هذا لي وعلي جزاؤك به فهو تنويه بتقدم ذلك العمل في نفس المعمول له واستحسانه، ثم أثبت له الوعد بالجزاء بوجه أعظم في رتبة الوُثوقِ بالجزاء الزائد عن مقدار العمل.
وناهيك بقوله تعالى: «أنا» وإذا قال ذو الجلال والإكرام والمجد والعظمة: «أنا» فقد حَصَلَ الغِنا، وزال العَنا، وفاز العبد بما يطول
59