نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٦٠

على المُنا، خَصَّصَ الصوم بمزية الإضافة إليه استدعاء لعظيم المثوبة لا لكون سائر العبادات يشترك معه فيها غيره، فما كان غير خالص لوجهه الكريم، وإن جاء في صورة العبادة لكن حقيقته غير عبادة الله، لأنه لا يقبل إلا الخالص له، ولا ينظر إلا إلى المتمخض لوجهه الكريم؛ فأنواع العبادة الخالصة له كلها مضافة إليه مطلقاً الصوم وغيره، فتخصيصه بالإضافة ذكراً هو تنويه بشرفه، واستدعاء إلى التقرب به، وإظهار للمكلفين لما أعد لهم عليه من حسن الجزاء، فتيقن هذا، رزقنا الله وإياك الذوق والفهم.

ثم إنَّ الصوم نصف الصبر، وقد قال جل ذكره: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10]، وإذا كان الصائم صابراً نصف الصبر صَدَقَ عليه من الآية الكريمة أنه من عداد الصابرين الموعودين بتوفية أجرهم بما يجاوز قانون التقدير والحساب، أعني أن تضعيف جزائه غير مُقَدِّر بقانون.

فمعنى قوله: «لي» أي: أنا المُفْرَدُ بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، كما قال: «وأنا أجزي به» وغيره من الحسنات اطلعت على مقادير أجورها. كما قال كل حسنة بعشر أمثالها … إلخ».

والصوم موكول إلى سعة جوده وغيب علمه، وفي ذلك من تفخيم ثوابه أمر عظيم، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ وهم التكافون عن شهواتِ نفوسِهِم، يُوَفَّى لهم من الأجر ما لا يحيطه العد

والحسبان.

وبالقطع كون الصائم متصفاً بصفات الصَّبر، فَوَعْدُ الآية متوجّه إليه وإلى كل صابر صبراً محموداً، وهو في الطاعة وعن المعصية، وعلى هذا الوجه فالاستثناء في قوله: إلا الصيام فإنه لي» استثناء من تضعيف الأجور لا استثناء من سائر الأعمال، تقدير الكلام كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة، فهذا التضعيف بهذا التقدير متعين، إلا أجر

7.

١٬٢٥٧ / ١٬٦٨٣