الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٦١الصيام فإنَّ مقدار مبلغ تضعيفه الله وحده، لا يتسقصي أقصاه غيره ولا يحيط بقدره إلا علمه.
،
،
فهذا وجه مما قالوه في تأويل الحديث، نقله عياض عن أبي عبيد، لكن اعترضه أبو العباس القرطبي بأنَّ في الحديث أن صوم اليوم بعشرة، وأن صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر صيام الدهر، فهذا نصوص في إظهار تضعيف أجور الصوم، فبطل ما نقله عياض!
وأقول: يَتَّجه أن يجاب اعتراض القرطبي بأنَّ المراد بالصوم في الحديث القدسي هو صوم شهر رمضان لا ماعداه من مندوب الصوم، وإذن فالتضعيف مخصوص برمضان إلى ما لا يقدر قدره إلا الله، والتضعيف في صوم غيره مخصوص بما عَيَّنَتْهُ الأحاديث المذكورة،
وعليه فالتعريف للصوم في الحديث القدسي للعهد لا للجنس.
وقد يبحث فيما قلتُ بأنه قال: صيام شهر رمضان بعشرة أشهرٍ، وصيام سِتَّةِ أيَّامٍ بَعْدَهُ بشهرين، فذلك صيام السنة فإنَّ الحديث دليل حصر التضعيف لصوم رمضان.
الجواب: إنَّ المضعَفَ إلى عشرة هو ذلك الجزاء الذي لا يعلم مقداره إلا الله، فالمرة الواحدة التي لا يُقدَرُ قدرها هي المضاعفة إلى عشرة، ويمكن أن يكون المراد بالصوم هو شهر رمضان تسمية للمحل باسم الحال، وكون رمضان الله جاء في حديث نصه: شهر رمضان شهر الله، وشهر شعبان شهري، شعبانُ المُطَهَّرُ، ورمضان المكفّر»، فكأنَّ المعنى: شهر الصوم الذي فرضتُه، شهري، أي الشهر الذي اخترتُ الصوم فيه، وإذا كان مضافاً إليه سبحانه كان أعظم لشرفه وأرفع لرتبته من بين سائر الشهور.
ومما دل على فضل الصوم من كلام الشارع صلوات الله وسلامه عليه قوله: والذي نفسي بيده لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المِسْكِ، يقول تعالى: إنّما يَذَر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي
والصوم لي وانا أجزي به.
61