نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر ناصر بن سالم بن عديم البهلاني الرواحي أبو مسلم، الملقب بـ "شاعر العرب"

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٦٤

فقد يتضرّر محرورُ المزاج بريح المِسْكِ، وقد تموت بعض الحيوانات بريح الورد، وتحيى بالروائح القذرة الكريهة، وهذا بالنسبة إلى الطبائع. وتعالى الله وتقدس، ليس علمه بالأشياء وإدراكه إياها وإحاطته بها مُعَلَّلاً بعلةٍ، ولا مُتَسَبباً عن طبع، لكنّه سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه، فعلمه بالخلوف وكراهة رائحته علم لا يخالف حقيقة المعلوم، فهو معلوم له كما خلقه عليه من الكيف، وإنّما فُضِّل طيباً على المسك لما له من العَرفِ الطيب المعنوي لا العَرْفِ الطيب الحسي، فكأنه قيل: إنَّ الخلوف المتأثر عن الصوم وإن كان مكروه الرائحة بالنسبة إليكم فإنّه لمكانة مُسَبِّبه من الله، وهو الصوم أذكى في الطيب المعنوي مع الله من رائحة المسك بالنسبة إليكم. والله أعلم. ثم إنه في رواية مسلم والنسائي: أطيب عند الله يوم القيامة» فمقتضاها أن طيب رائحة الخُلُوفِ إنما هو في الآخرة. واختلف عالمان من قومنا في هذه المسألة، وهما ابن الصلاح والعز بن عبد السلام:

فذهب ابن الصلاح إلى أن طيب رائحة الخُلُوفِ في الدنيا والآخرة، وذهب العز إلى التخصيص بالآخرة.

حجة الأوّل أقوال العلماء بالتعميم، وليس في قول واحد منهم أنه عبارة عن الرضا والقبول

تخصيص بالآخرة، بل الجزم منهم ونحوهما مما هو ثابت في الدنيا والآخرة.

وأما ما ذكرتم يوم القيامة في الرواية فلأنه يوم الجزاء، وفيه يظهر رجحان الخُلُوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلباً لرضا الله حيثُ يؤمَرُ باجتنابها واجتلاب الرائحة الطيبة، فخص يوم القيامة بالذكر في رواية لذلك، كما خص في قوله تعالى: و إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَيذٍ لَخَبِيرُ}، فأطلق في باقي الروايات نظراً إلى أنَّ الأفضلية ثابتة في الدارين.

64

١٬٢٦١ / ١٬٦٨٣