الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٨٤أفطر حَلّ له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام ولا يُصلّي العشاء الأخيرة، فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى نَسَخ ذلك بهذه الآية.
وشدّ عن الجمهور أبو مسلم الأصفهاني فقال: لم تثبت هذه الحرمة في شرعنا ألبتة، بل كانت ثابتة في شريعة النصارى، فنسخ الله بهذه الآية ما كان ثابتاً في شرعهم احتج الجمهور بوجوه:
أولاً: إن قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ يقتضي تشبيه صومنا بصومهم، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في صومهم؛ فوجب بحكم هذا التشبيه أن تكون أيضاً ثابتة في صومنا، وبثبوتها في شرعنا نسختها الآية عنا. وضُعف هذا بأن تشبيه الصوم بالصوم يكفي في صدقه مشابهتهما في أصل الوجوب.
ثانياً: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ القِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَا بِكُمْ} [البقرة: 187].:قالوا لو كان هذا الحِلّ ثابتاً لهذه الأمة من أوّل الأمر لم يكن لقوله: أحِلّ لكم فائدة. وضُعف هذا أيضاً بأنّا نُسَلَّم أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرع من قبلنا، فقوله: «أحل لكم معناه أن الذي كان محرماً على غيركم فقد أحل لكم بنات و او سواري
ثالثاً: عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَختَانُونَ أَنفُسَكُمْ ولو حَلّ لم يحتاجوا إلى أن يختانوا أنفسهم. وضُعف هذا أيضاً بأن تلك الحرمة وُجدت في شرع المسيح عليه السلام، وأوجب الله علينا الصومَ بلا بيان بزوالها، فوجب بقاؤها ثابتة علينا، ثم تأكّد الوهم بقوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ فاقتضت الآية حصول التشبيه في كل الأمور، فلمّا كانت هذه الحرمة ثابتة في الشرع المتقدم وجب أن تكون ثابتة في هذا الشرع، وإن لم تكن حجّة قوية لكن لا أقل من أن تكون شُبهَةٌ مُوهمةٌ.
فلأجل هذه الأسباب كانوا يعتقدون بقاء تلك الحُرمة في شرعنا، فلا جَرَمَ شَدَّدُوا وأمْسَكُوا عن تلك الأمور فقال سبحانه: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ
??