الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٨٥كُنتُمْ تَختَانُونَ أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 187]، وأراد به سبحانه النظر لهم والتخفيف عنهم بما لو لم تتبين الرخصة فيه لشددوا وأمسكوا عن هذه الأمور، ونقصوا أنفسهم من الشهوة ومنعوها من المراد.
وأصل الخيانة النقص، وخان واختانَ وتخوَّنَ بمعنى واحد، كقولهم: كسَبَ واكتسب وتكسَّبَ، فالمُرادُ من الآية: علم الله أنه لو لم يَتَبَيَّن لكم إحلال الأكل والشرب والمباشرة طول الليل أنكم كنتم تنقصون أنفُسَكم شهواتها وتمنعونها لذاتها، ومصلحتها بالإمساك عن ذلك بعد النوم كسُنّة النصارى.
رابعاً: فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ} [البقرة: 187] ولو كان إقدامهم على حُرمة لما صحت التوبة والعفو. وضُعفَ هذا بأن توبة العبد: رجوعه إلى ربّه، ومنه إلى العبد بالرحمة والإحسان، وأما العفو فهو التجاوزُ، فبَيَّنَ سبحانه إنعامه علينا بتخفيف ما جعله ثقيلاً على من قبلنا، كقوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: 157].
خامساً: فَالْتَنَ بَشِرُوهُنَّ} [البقرة: 187] ولو حلّت المباشرة أولاً لم يكن لأمر الإباحة فائدة. وضُعف هذا بامتناعهم للشبهة لا للحرمة. ولما أزال سبحانه الشبهة لا جرم أباح المباشرة.
سادساً: دل النقل على سَبَبِ نزول هذه الآية، وهو ثبوتُ حُزمة انتهكها بعض الصحابة رضوان الله عليهم، حتى بلغ المنقول حد التواتر. وضُعَفَ هذا الوجه بأن قولنا: هذه الآية ناسخة لحكم كان مشروعاً، لا تَعَلُّق له ببابِ العَمَلِ، ولا يكون خبر الواحد حجّةٌ فيه. وأيضاً ففي الآية ما يدل على ضعف هذه الروايات، لأنَّ المذكور في تلك الروايات أنّ القومَ اعترفوا بما فعلوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعاكس الاختيان المذكور في الآية الآية، لأنّ ظاهره المباشرة، لأنه افتعال
من الخيانة.
،
وذلك
هذه الوجوه التي تمسك بها المفسرون، وأما التضعيف لها فمن
85